الصفحة 431 من 461

ولما مات , وأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - الاستغفار له , أنزل الله سبحانه: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة: 113] فيا لها من عبرة ما أبينها , وما أبلغها من موعظة , وبيان ما أوضحه , لما يظن كثير ممن يدعي اتباع الحق , فيمن أحب الحق وأهله و من غير اتباع , لأجل غرض من أغراض الدنيا.

ومما وقع أيضًا: قصته معهم لما قرأ سورة النجم بحضرتهم , فلما وصل إلى قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} [النجم: 19 - 20] ألقى الشيطان في تلاوته: تلك الغرانيق العلى , وإن شفاعتها لترتجى , وظنوا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاله , ففرحوا بذلك فرحًا شديدًا , ووتلقاه الصغير والكبير منهم , وقالوا كلامًا معناه: هذا الذي نريد , نحن نقر أن الله هو الخالق الرازق المدبر للأمور , ولكن نريد شفاعتهم عنده , فإذا أقر بذلك فلا بيننا وبينه اختلاف , واستمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرؤها , فلما بلغ السجدة سجد وسجدوا معه.

وشاع الخبر: أنهم صافوه , حتى إن الخبر وصل إلى الصحابة الذين بالحبشة , فركبوا في البحر راجعين , ظانين أن ذلك صدق , فلما ذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاف أن يكون قاله , فخاف من الله خوفًا شديدًا عظيمًا , حتى أنزل الله عزّ وجلّ عليه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} إلى قوله: {عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} [الحج: 52 - 55] .

فمن عرف هذه القصة , وعرف ما عليه المشركون اليوم , وما قاله علماؤهم ولم يميز بين الإسلام الذي جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين دين قريش , الذي أرسله الله ينذرهم عنه , وهو الشرك الأكبر , فأبعده الله.

فإن هذه القصة في غاية الوضوح , إلا من طبع الله على قلبه , فذلك لا حيلة فيه , ولو كان من أفهم الناس , كما قال الله تعالى في أهل الفهم , الذين لم يوفقوا {وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون} [الأحقاب: 26] .

ثم لما أراد الله إظهار دينه وإعزاز المسلمين , أسلم الأنصار أهل المدينة , بسبب العلماء الذين عندهم من اليهود , وذكرهم لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وصفته , وأن هذا زمانه , وقدر الله سبحانه: أم أولئك العلماء , الذين يتمنون ظهوره , ويتوعدونهم به , لمعرفتهم أن العز لمن اتبعه , يكفرون به , ويعادونه , فهو قوله تعالى: وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت