الصفحة 432 من 461

عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ [البقرة: 89] .

فلما أسلم الأنصار , أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من كان بمكة بالهجرة إلى المدينة , فهاجروا إليها , وأعزهم الله تعالى بعد تلك الذلة , فهو قوله تعالى: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الأنفال: 26] .

وفوائد الهجرة , والمسائل التي فيها كثيرة , لكن تذكر منها مسألة واحدة , وهي: أن أناسًا من المسلمين لم يهاجروا , كراهة مفارقة الوطن , والأهل والأقارب , فهو قوله تعالى: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24] .

فلما خرجت قريش إلى بدر , خرجوا معهم كرهًا , فقتل بعضهم بالرمي , فلما علموا أن فلانًا قتل , وفلانًا قتل , وفلانًا قتل , تأسفوا على ذلك , وقالوا: قتلنا إخواننا , فأنزل الله عزّ وجلّ فيهم: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا * إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا *فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء: 97 - 99] .

فليتأمل الناصح لنفسه هذه القصة , وما أنزل الله فيها من الآيات , فإن أولئك لو تكلموا بكلام الكفر , أو فعلوا كفرًا يرضون به قومهم , لم يتأسف الصحابة رضي الله عنهم على قتلهم , لأن الله بين لهم وهم بمكة , لما عذبوا بقوله تعالى: {مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} [النحل: 106] .

فلو سمعوا عنهم كلامًا , أو فعلًا يرضون به المشركين من غير إكراه , لم يقولوا قتلنا إخواننا , ويوضحه قوله تعالى {قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ} ولم يقولوا: كيف عقيدتكم؟ أو كيف فعلكم؟ بل قالوا: في أي الفريقين أنتم؟ فاعتذروا لهم: كنا مستضعفين في الأرض , فلم تكذبهم الملائكة في قولهم هذا , بل {قَالْوَا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت