يوضحه إيضاحًا تامًا قوله: {إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا *فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} فهذا في غاية الوضوح؛ فإذا كان هذا في السابقين الأولين من الصحابة , فكيف بغيرهم؟ ولا يفهم هذا إلا من فهم: أن أهل الدين اليوم , لا يعدونه ذنبًا.
فإن فهمت: ما أنزل الله فهمًا جيدًا , وفهمت ما عند من يدعي الدين , تبين لك أمور؛ منها: أن الإنسان لا يستغني عن طلب العلم , فإن هذه وأمثالها لا تعرف إلا بالتنبيه , فإذا أشكلت على الصحابة قبل نزول الآية , فكيف بغيرهم؟ ومنها: أن تعرف أن الإيمان ليس كما ظنه غالب الناس اليوم , بل كما قال الحسن البصري: ليس الإيمان بالتحلي , ولا بالتمني , ولكن ما وقر في القلوب , وصدقته الأعمال؛ نسأل الله أن يرزقنا علمًا نافعًا , وأن يعيذنا من علم لا ينفع.
قال عمر بن عبد العزيز , رضي الله عنه: يا بني ليس الخير أن يكثر مالك وولدك , ولكن الخير: أن تعقل عن الله , ثم تطيعه.
ولما هاجر المسلمون إلى المدينة , واجتمع المهاجرون والأنصار , شرع الله لهم الجهاد , وقبل ذلك نهوا عنه و {قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ} [النساء: 77] فأنزل الله عزّ وجلّ: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216] فبذلوا أنفسهم وأموالهم لله تعالى , رضي الله عنهم , فشكر الله لهم ذلك , ونصرهم على من عاداهم , مع قتلهم وضعفهم , وكثرة عدوهم وقوتهم.
فمن الوقائع المشهورة , التي أنزل الله فيها القرآن: وقعة بدر , أنزل الله فيها سورة الأنفال , وبعدها وقعة بني قينقاع , ثم وقعة أُحد بعد سنة , وفيها الآيات التي في آل عمران , وبعدها وقعة بني النضير , وفيها الآيات التي في سورة الحشر , ثم وقعة الخندق وبني قريظة , وفيها الآيات التي في سورة الأحزاب , ثم وقعة الحديبية , وفتح حنين , وأنزل الله فيها سورة النصر , وذكر حنين في براءة , ثم غزوة تبوك , وذكرها الله سورة براءة.
ولما دانت له العرب , ودخلوا في دين الله أفواجًا , وابتدأ في قتال العجم , اختار الله ما عنده , فتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعدما أقام بالمدينة عشر سنين , فوقعت الردة المشهورة , وذلك: أنه لما مات - صلى الله عليه وسلم - ارتد غالب من أسلم وحصلت فتنة عظيمة , ثبت الله فيها من ثبت , وأنعم الله عليه بالثبات , بسبب أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
فإنه قام فيها قيامًا , لم يدانيه أحد من الصحابة , ذكرهم ما نسوا , وعلمهم ما جهلوا , وشجعهم لما جبنوا , فثبت الله به دين الإسلام , جعلنا الله من أتباعه , وأتباع أصحابه , قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَاتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ