لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة: 54] قال الحسن: هو والله أبو بكر وأصحابه.
وصورة الردة: أن العرب افترقت في ردتها؛ فطائفة رجعت إلى عبادة الأصنام , وقالوا لو كان نبيًا ما مات؛ وفرقة قالوا: نؤمن بالله ولا نصلي؛ وطائفة أقروا بالإسلام , وصلوا , ولكن منعوا الزكاة؛ وطائفة شهدوا أن لا إله إلا الله , وأن محمدًا رسول الله , لكن صدقوا لمسيلمة , أن النبي أشركه في النبوة؛ وذلك أنه أقام شهودًا , شهدوا معه بذلك , وفيهم رجل من الصحابة معروفة بالعلم والعبادة , يقال له (( الرجّال ) ): (( فصدقوه لما عرفوا فيه من العلم والعبادة , وفيه يقول بعضهم , أي بعض من ثبت منهم على دينه , وهو ابن عمرو اليشكري , كلامًا , منه:
يا سعاد الفؤاد ... بنت أثال طال ليلي بفتنة الرجال
إنها يا سعاد من أحدث الدهـ ... ـر عليكم كفتنة الدجال
فتن القوم بالشهادة واللّـ ... ـه عزيز ذو قوة ومحال
وقوم من أهل اليمن , صدقوا الأسود العنسي في دعوى النبوة؛ وقوم صدقوا طليحة الأسدي؛ ولم يشك أحد من الصحابة , في كفر من ذكرنا , ووجوب قتالهم , إلا مانع الزكاة , لما عزم أبو بكر على قتالهم , قيل له: كيف تقاتلهم , وقد قال - صلى الله عليه وسلم: (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله , فإذا قالوا لا إله إلا الله , عصموا مني دماءهم وأموالهم , إلا بحقها ) ).
قال أبو بكر: الزكاة من حق لا إله إلا الله , والله لو منعوني عقالًا , كانوا يؤدونه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم على منعه , ثم زالت الشبهة عن الصحابة , وعرفوا أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال , وعرفوا وجوب قتالهم , فقاتلوهم , ونصرهم الله عليهم , فقتلوا من قتلوا , وسبوا نساءهم وعيالهم.
فمن أهم ما على المسلم اليوم: تأمل هذه القصة , التي جعلها الله من حججه على خلقه , إلى يوم القيامة؛ فمن تأمل هذه تأملًا جيدًا , خصوصًا إذا عرف: أن الله شهرها على ألسنة العامة , وأجمع العلماء على تصويب أبي بكر في ذلك , وجعلوا من أكبر فضائله وعلمه: أنه لم يتوقف عن قتالهم أول وهلة؛ وعرفوا غزارة فهمه في استدلاله عليهم , بالدليل الذي أشكل عليهم , فرد عليهم بدليلهم بعينه , مع أن المسألة موضحة في القرآن والسنة.
أما القرآن , فقوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5] وفي الصحيحين: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( أمرت أن أقاتل الناس , حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله , وأن محمدًا رسول الله , ويقيموا الصلاة , ويؤتوا الزكاة , فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم , إلا بحق الإسلام , وحسابهم على الله تعالى ) ).