الناس قد لا يعلمون أن طلوعها , وغروبها بين قرني شيطان , ولا أن الكفار تسجد لها , ثم إنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة في هذا الوقت , حسمًا لمادة المشاهبة.
ومن هذا الباب: أنه إذا صلى إلى عود , أو عمود , جعله على حاجبه الأيمن , ولم يصمد له صمدًا , ولهذا نهى عن الصلاة إلى ما عبد من دون الله في الجملة , ولهذا نهى عن السجود بين يدي الرجل , لما فيه من مشابهة السجود لغير الله , انتهى كلامه.
فليتأمل المؤمن الناصح لنفسه , ما في هذا الحديث من العبر , فإن الله سبحانه يقص علينا أخبار الأنبياء وأتباعهم , ليكون للمؤمن من المتأخرين عبرة , فيقس حاله بحالهم؛ وقص قصص الكفار والمنافقين , لتجتنب , ويجتنب من تلبس بها أيضًا.
فمما فيه من الاعتبار: أن هذا الأعرابي الجاهلي , لما ذكر له أن رجلًا بمكة يتكلم في الدين بما يخالف الناس , لم يصبر حتى ركب راحلته فقدم عليه , وعلم ما عنده لما في قلبه من محبة الدين والخير , وهذا فسر قوله تعالى: {ولو علم الله فيهم خيرًا} أي حرصًا على تعلم الدين {لأسمعهم} [الأنفال: 23] أي: لأفهمهم , فهذا يدل على أن عدم الفهم في أكثر الناس اليوم , عَدْلُ منه سبحانه , لما يعلم في قلوبهم من عدم الحرص على تعلم الدين.
فتبين: أن من أعظم الأسباب الموجبة لكون الإنسان من شر الدواب , هو عدم الحرص على التعلم , فإذا كان هذا الجاهل يطلب هذا الطلب , فما عذر من ادعى اتباع الأنبياء , وبلغه عنهم ما بلغه , وعنده من يعرض عليه التعليم , ولا يرفع بذلك رأسًا , فإن حضر أو سمع فكما قال تعالى: {مَا يَاتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ} [الأنبياء: 2 - 3] .
وفيه من العبر أيضًا: أنه لما قال بأي شيء أرسلك؟ قال: بكذا وكذا , فتبين: أن زبدة الرسالة الإلهية , والدعوة النبوية , هو توحيد الله بعبادته وحده لا شريك له , وكسر الأوثان , ومعلوم أن كسرها لا يستقيم إلا بشدة العداوة , وتجريد السيف , فتأمل زبدة الرسالة.
وفيه أيضًا: أنه فهم المراد من التوحيد , وفهم أنه أمر كبير غريب , ولأجل هذا قال: من معك؟ قال: (( حر وعبد ) )فأجابه: أنه جميع العلماء والعباد والملوك والعامة , مخالفون له , ولم يتبعه على ذلك إلا من ذكر , فهذا أوضح دليل على أن الحق قد يكون مع أقل القليل , وأن الباطل قد يملأ الأرض , ولله در الفضيل بن عياض , حيث يقول: لا تستوحش من الحق لقلة السالكين , ولا تغتر بالباطل لكثرة الهالكين.
وأحسن منه قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ } [سبأ: 20] وفي الصحيحين (( أن بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين ) )ولما بكوا من هذا لما سمعوه , قال - صلى الله عليه وسلم - (( إنها