لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية , فيؤخذ العدد من الجاهلية , فإن تمت وإلا كمل من المنافقين )) قال الترمذي حسن صحيح.
فإذا تأمل الإنسان ما في الحديث , من صفة بدو الإسلام , ومن اتبع الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذ ذاك , ثم ضم إليه الحديث الأخر الذي في صحيح مسلم , أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: (( بدأ الإسلام غريبًا , وسيعود غريبًا كما بدأ ) )تبين له الأمر إن هداه الله , وانزاحت عنه الحجة الفرعونية: {فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى} [طه: 51] والحجة القرشية {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ} [ص: 7] .
وقال أبو عباس , في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم , في الكلام على قوله تعالى: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ} [البقرة: 173] ظاهرة: أن ما ذبح لغير الله , سواء لفظ به أو لم يلفظ حرام , وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبح للحم , وقال فيه باسم المسيح ونحوه , كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله , أزكى مما ذبحناه للحم , وقلنا عليه بسم الله , فإن عبادة الله بالصلاة له والنسك له , أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور.
والعبادة لغير الله: أعظم كفرًا من الاستعانة بغير الله , فلو ذبح لغير الله متقربًا إليه لحرم , وإن قال فيه بسم الله , كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة , وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبائحهم بحال , لكن يجتمع في البيحة مانعان , ومن هذا ما يفعل بمكة وغيرها , من الذبح لجن , انتهى كلام الشيخ , وهو الذي ينسب إليه بعض أعداء الدين , أنه لا يكفر المعين , فانظر أرشدك الله إلى تكفيره , من ذبح لغير الله من هذه الأمة , وتصريحه أن المنافق يصير مرتدًا بذلك , وهذا في المعين , إذ لا يتصور أن تحرم إلا ذبيحة معين.
وقال أيضًا: في الكتاب المذكور: وكانت الطواغيت الكبار , التي تشد إليها الرحال ثلاثة , اللات والعزى ومناة , وكل واحد منها لمصر من أمصار العرب , فكانت اللات لأهل الطائف , ذكروا أنه كان في الأصل رجلًا صالحًا يلت السويق للحاج , فلما مات عكفوا على قبره؛ وأما العزى فكانت لأهل مكة؛ قريبًا من عرفات , وكانت هناك شجرة يذبحون عندها ويدعون؛ وأما مناة فكانت لأهل المدينة , وكانت حذو قديد من ناحية الساحل.
ومن أراد أن يعلم كانت أحوال المشركين في عبادة أوثانهم , ويعرف حقيقة الشرك الذي ذمه الله وأنواعه , حتى يتبين له تأويل القرآن , فلينظر إلى سيرة النبي وأحوال العرب في زمانه , وما ذكره الأزرقي في أخبار مكة وغيره من العلماء.
ولما كان للمشركين شجرة يعلقون عليها أسلحتهم , ويسمونها ذات أنواط , فقال بعض الناس يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط , فقال بعض الناس يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط , كما لهم ذات أنواط , فقال: (( الله أكبر إنها السنن , لتركبن سنن من كان قبلكم ) )فأنكر - صلى الله عليه وسلم - مجرد مشابهتهم لكفار , في اتخاذ شجرة يعكفون عليها , معلقين عليها أسلحتهم.