الصفحة 443 من 461

فكيف بما هو أطم من ذلك من الشرك بعينه - إلى أن قال - فمن ذلك عدة أمكنة بدمشق , مثل مسجد يقال له: (مسجد الكف) فيه تمثال كف على بن أبي طالب , حتى هدم الله ذلك الوثن؛ وهذه الأمكنة كثيرة , موجودة في أكثر البلاد , وفي الحجاز منها مواضع.

ثم ذكر كلامًا طويلًا في نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة عند القبور , فقال: العلة لما يفضي إليه ذلك من الشرك , ذكر ذلك الشافعي وغيره , وكذلك الأئمة من أصحاب مالك وأحمد , كأبي بكر الأثرم , عللوا بهذه العلة , وقد قال تعالى: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح: 23] ذكر ابن عباس وغيره من السلف: أن هذه الأسماء رجال صالحين من قوم نوح , فلما ماتوا عكفوا على قبورهم , ثم صوروا تماثيلهم , ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم؛ ذكر هذا البخاري في صحيحه , وأهل التفسير , كابن جرير وغيره.

ومما يبين صحة هذه العلة: أنه لعن من يتخذ قبور الأنبياء مساجد , ومعلوم أن قبور الأنبياء لا يكون ترابها نجسًا , وقال عن نفسه: (( اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد ) )فعلم: أن نهيه عن ذلك , كنهيه عن الصلاة عن طلوع الشمس , وعند غروبها , فسد الذريعة لئلا يصلي إلا لله , ولا يدعوا إلا لله , لئلا يفضي ذلك إلى دعائهم , والصلاة لها , وكلا الأمرين قد وقع.

فإن من الناس من يسجد للشمس , وغيرها من الكواكب , ويدعوها بأنواع الأدعية , وهذا من أعظم أسباب الشرك , الذي ضل به كثير من الأولين والآخرين , حتى شاع ذلك في كثير ممن ينتسب إلى الإسلام , وصنّف بعض المشهورين فيه كتابًا , على مذهب المشركين , مثل: أبي معشر البلخي , وثبت بن قرة , وأمثالهما ممن دخل في الشرك , وآمن بالطاغوت والجبت , وهم ينتسبون إلى الكتاب , كما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} [النساء: 51] انتهى كلام الشيخ رحمه الله.

فانظر رحمك الله: إلى هذا الإمام , الذي ينسب عنه - من أزاغ الله قلبه - عدم تكفير المعين كيف ذكر , مثل الفخر الرازي , وهو من أكابر أئمة الشافعية , ومثل أبي معشر , وهو من أكابر المشهورين من المصنفين وغيرهم , أنهم كفروا وارتدوا عن الإسلام , والفخر هو الذي ذكره الشيخ , في الرد على المتكلمين , لما ذكر تصنيفه الذي ذكر هنا , قال وهذه ردة صريحة باتفاق المسلمين , وسيأتي كلامه إن شاء الله تعالى.

وتأمل أيضًا: ما ذكره في اللات والعزى ومناة , وجعله فعل المشركين معها , هو بعينه الذي يفعل بدمشق وغيرها , وتأمل قوله على حديث ذات أنواط , هذا قوله في مجرد مشابهتهم في اتخاذ شجرة , فكيف بما هو أطم من ذلك من الشرك بعينه؟ فهل للزائغ بعد هذا متعلق بشيء من كلام هذا الإمام؛ وأن أذكر لك لفظه , الذي احتجوا به على زيغهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت