الصفحة 444 من 461

قال رحمه الله: أنا من أعظم الناس نهيًا , عن أن ينسب معين إلى تكفير، أو تبديع , أ, تفسيق , أو معصية , إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية , التي من خالفها كان كافرًا تارة , وفاسقًا أخرى , وعاصيًا أخرى , انتهى كلامه.

وهذا صفة كلامه في المسألة , في كل موضوع وقفنا عليه من كلامه , لا يذكر عدم تكفير المعين إلا ويصله بما يزيل الإشكال , أن المراد بالتوقف عن تكفيره قبل أن تبلغه الحجة , وأما إذا بلغته الحجة حَكَمَ عليه بما تقتضيه تلك المسألة , من تكفير أو تفسيق أو معصية.

وصرح رضي الله عنه أيضًا: أن كلامه في غير المسائل الظاهرة , فقال في الرد على المتكلمين , لما ذكر أن بعض أئمتهم توجد منه الردة عن الإسلام كثيرًا , قال: وهذا إن كان في المقالات الخفية , فقد يقال إنه فيها مخطئ ضال , لم تقم عليه الحجة التي يكفر تاركها , لكن هذا يصدر عنهم في أمور يعلم الخاصة والعامة من المسلمين , أن رسول الله بعث - صلى الله عليه وسلم - بها , وكفر من خالفها , مثل عبادة الله وحده لا شريك له , ونهيه عن عبادة أحد سواه , من الملائكة والنبيين وغيرهم , فإن هذا أظهر شعائر الإسلام؛ ومثل إيجابه للصلوات الخمس , وتعظيم شأنها؛ ومثل تحريم الفواحش , والزنا والخمر والميسر؛ ثم تجد كثيرًا من رؤوسهم وقعوا فيها , فكانوا مرتدين؛ كما فعل أبو عبد الله الرازي , قال وهذه ردة صريحة باتفاق المسلمين , انتهى كلامه.

فتأمل هذا , وتأمل ما فيه من تفصيل الشبهة , التي يذكر أعداء الله , لكن {وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا} [المائدة: 41] على أن الذي نعتقده وندين الله به , ونرجو أن يثبتا عليه: أنه لو غلط هو , أو أجل منه في هذه المسألة , وهي مسألة: المسلم إذا أشرك بعد بلوغ الحجة , أو المسلم الذي يفضل هذا على الموحدين , أو يزعم أنه على حق , وغير ذلك من الكفر الصريح الظاهر , الذي بينه الله ورسوله , وبينه علماء الأمة , أنا نؤمن بما جاءنا عن الله وعن رسوله من تكفيره , ولو غلط من غلط , فكيف والحمد لله , ونحن لا نعلم عن واحد من العلماء خلافًا في هذه المسألة , وإنما يلجأ من شاق فيها إلى حجة فرعون {فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى} [طه: 51] أو حجة قريش {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ} [ص: 7] .

وقال الشيخ رحمه الله , في الرسالة السنية , لما ذكر حديث الخوارج , ومروقهم من الدين , وأمره - صلى الله عليه وسلم - بقتالهم , قال: فإذا كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وخالفائه ممن انتسب إلى الإسلام , من مرق منه عبادته العظيمة , حتى أمر - صلى الله عليه وسلم - بقتالهم.

فليعلم: أن المنتسب إلى الإسلام والسنّة , قد يمرق أيضًا من الإسلام في هذه الأزمان , وذلك بأسباب؛ منها: الغلو الذي ذمه الله في كتابه , حيث يقول: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ} [المائدة: 77]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت