الصفحة 446 من 461

لتحقيق التوحيد , الذي هو أصل الدين , ورأسه , الذي لا يقبل الله عملًا إلا به , ويغفر لصاحبه , ولا يغفر لمن تركه , قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} الآية [النساء: 116] .

ولهذا كانت كلمة التوحيد , أفضل الكلام , وأعظمه , فأعظم آية في القرآن , آية الكرسي {اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255] وقال - صلى الله عليه وسلم: (( من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة ) )والإله هو الذي تألهه القلوب , عبادة له , واستعانة به , ورجاء له , وخشية , وإجلالًا , انتهى كلامه رحمه الله.

فتأمل أول الكلام وآخره , وتأمل كلامه فيمن دعا نبيًا أو وليًا , مثل أن يقول: يا سيدي فلان أغثني , ونحوه , أنه يستتاب , فإن تاب وإلا قتل , هل يكون هذا إلا في المعين؟ والله المستعان؛ وتأمل كلامه في اللات والعزى ومناة , وما ذكر بعده , يتبين لك الأمر إن شاء الله تعالى.

وقال ابن القيم رحمه الله - في شرح المنازل , في باب التوبة - وما الشرك - فهو نوعان , أكبر وأصغر؛ فالأكبر لا يغفر الله إلا بالتوبة منه , وهو أن يتخذ من دون الله ندًا , يحبه كما يحب الله , بل أكثرهم يحبون آلهتهم أعظم من محبة الله , ويغضبون إذا انتقص معبودهم من المشائخ , أعظم مما يغضبون إذا انتقص أحد رب العالمين.

وقد شاهدنا هذا نحن وغيرنا منهم جهرة , وترى أحدهم قد اتخذ ذكر معبوده على لسانه , إن قام وإن قعد , وإن عثر وإن استوحش , وهو لا ينكر ذلك , ويزعم أنه باب حاجته إلى الله , وشفيعه عنده , وهكذا كان عباد الأصنام سواء , وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم , وتوارثه المشركون , بحسب اختلاف آلهتهم , فأولئك كانت آالهتهم من الحجر , وغيرهم اتخذها من البشر.

قال تعالى حاكيًا عن أسلاف هؤلاء {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} الآية [الزمر: 3] فهذه حال من اتخذ من دون الله وليًا , يزعم أنه يقربه إلى الله تعالى , وما أعز من يتخلص من هذا , بل ما أعز من لا يعادي من أنكره , والذي قام بقلوب هؤلاء عين الشرك , وقد أنكر الله عليهم ذلك في كتابه وأبطله , وأخبر أن الشفاعة كلها له.

ثم ذكر الشيخ رحمه الله , فصلًا طويلًا , في تقرير هذا الشرك الأكبر , ولكن تأمل قوله: وما أعز من يتخلص من هذا؛ بل ما أعز من لا يعادي من أنكره؛ يتبين لك بطلان الشبهة , التي أدلى بها الملحد , وزعم أن كلام الشيخ قي الفصل الثاني يدل عليها , وسيأتي تقريره إن شاء الله تعالى.

وذكر في آخر هذا الفصل , أعني الفصل الأول , في الشرك الأكبر , الآية التي في سورة سبأ: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم} إلى قوله: {إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ} [سبأ: 22 - 23] وتكلم عليها ثم قال: والقرآن مملوء من أمثالها , ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته , ويظنه في قوم قد خلوا ولم يعقبوا وارثًا , وهذا هو الذي يحول

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت