الأول: أن مقتضى قولهم أن الشرك بالله , وعبادة الأصنام , لا تأثير لها في التكفير , لأن الإنسان إن انتقل عن الملة لم يعبد الأوثان , كاليهود.
فإذا كان من انتسب إلى الإسلام , لا يكفر إذا أشرك الشرك الأكبر , لأنه مسلم بقول لا إله إلا الله , ويصلي , ويفعل كذا وكذا , لم يكن للشرك وعبادة الأوثان تأثير , بل يكون ذلك كالسواد في الخلقة , والعمى والعرج , فإن كان صاحبها يدعي الإسلام فهو مسلم , وإن ادعى ملة غيرها فهو كافر , وهذه فضيحة عظيمة , كافية في رد هذا القول الفظيع ,
الوجه الثاني: أن معصية الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الشرك وعبادة الأوثان , بعد بلوغ العلم , كفر صريح بالفطر والعقول , والعلوم الضرورية , فلا يتصور أنك تقول لرجل , ولو من أجهل الناس , وأبلدهم , ما تقول فيمن عصى الرسول - صلى الله عليه وسلم - , ولم ينقد له في ترك عبادة الأوثان والشرك , مع أنه يدعي أنه مسلم متبع , إلا ويبادر بالفطرة الضرورية , إلى القول: بأن هذا كافر , من غير نظر في الأدلة , أو سؤال أحد من العلماء.
ولكن: لغبلة الجهل , وغرابة العلم , وكثرة من يتكلم في هذه المسألة , من الملحدين , اشتبه الأمر فيها على بعض العوام من المسلمين , الذين يحبون الحق , فلا تحقرها , وأمعن النظر في الأدلة التفصيلية , لعل الله أن يمن عليك بالإيمان الثابت , ويجعلك أيضًا: من الأئمة الذين يهدون بأمره.
ومثل: إجماع التابعين ومن بعدهم , على قتل الجعد بن درهم , وهو مشتهر بالعلم والدين , وهلم جرا من وقائع لا تعد ولا تحصى , ولم يقل أحد من الأولين والآخرين , لأبي بكر الصديق أو غيره , كيف تقاتل بني حنيفة , وهم يقولون لا إله إلا الله , ويصلون ويزكون؟.
وكذلك: لم يشتكل أحد تكفير قدامة وأصحابه , لو لم يتوبوا , وهلم جرا , إلى زمن بني عبيد , الذين ملكوا المغرب , ومصر , والشام وغيرها , مع تظاهرهم بالإسلام , وصلاة الجمعة والجماعة , ونصب القضاة والمفتين , لما أظهروا من الأقوال والأفعال ما أظهروا , لم يستشكل أحدًا من أهل العلم والدين قتالهم , ولم يتوقف فيه , وهم في زمن ابن الجوزي والمرفق , وصنف ابن الجوزي كتابًا لما أخذت مصر منهم , سماه (( النصر على مصر ) )
ولم يسمع أحد من الأولين والآخرين , أن أحدًا أنكر شيئًا من ذلك , أو استشكله , لأجل ادعائهم الملة , ولأجل قول لا إله إلا الله , أو لأجل إظهار شيء من أركان الإسلام , إلا ما سمعنا من هؤلاء الملاعين في هذه الأزمان , مع إقرارهم أن هذا هو الشرك , ولكن من فعله أو حسنه , أو كان مع أهله , أو ذم التوحيد , أو حارب أهله لأجله , أو أبغضهم لأجله , أنه لا يكفر , لأنه يقول لا إله إلا الله , أو لأنه يؤدي أركان الإسلام الخمسة , ويستدلون بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سماه الإسلام.
هذا لم يسمع قط , إلا من هؤلاء الملحدين الجاهلين الظالمين , فإن ظفروا بحرف واحد عن أهل العلم , أو أحد منهم يستدلون به , على قولهم الفاحش الأحمق , فليذكروه ولكن الأمر , كما قال اليمني في قصيدته: