ثم قال: أما والله لمن عاش في هذه النكرى , ولم يدرك هذا السلف الصالح , فرأى مبتدعًا يدعو إلى بدعته , ورأى صاحب دنيا يدعو إلى دنياه , فعصمه الله عن ذلك , وجعل قلبه يحن إلى ذكر هذا السلف الصالح , ويقتص آثارهم , ويتبع سبيلهم , ليعوض أجرًا عظيمًا فكذلك كونوا إن شاء الله.
وحدثني: عبد الله بن محمد , بإسناده عن ميمون بن مهران , قال لو أن رجلاًَ نشر فيكم من السلف , ما عرف فيكم غير هذه القبلة؛ أخبرنا: محمد بن قدامة , بإسناده عن أم الدرداء , قالت دخل عليِِّ أبو الدرداء , فقلت له ماأغضبك؟ فقال: والله ما أعرف فيهم من أمر محمد شيئًا , إلا أنهم يصلون جميعًا؛ وفي لفظ: لو أن رجلًا تعلم الإسلام وأهمله , ثم تفقده ما عرف منه شيًْا
حدثني: أبراهيم بإسناده عن عبد الله بن عمرو , قال: لو أن رجلين من أوائل هذه الأمة , خليا بمصحفيهما في بعض هذه الأودية , لأتيا الناس اليوم , ولا يعرفان شيئًا مما كانا عليه؛ قال مالك: وبلغني أن أبا هريرة رضي الله عنه , تلا {إذا جاء نصر الله والفتح} [النصر: 1] فقال والذي نفسي بيده: إن الناس ليخرجون اليوم من دينهم أفواجًا كما دخلوا فيه أفواجًا.
قف تأمل , رحمك الله: إذا كان هذا في زمن التابعين , بحضرة أواخر الصحابة , فكيف يغتر المسلم بالكثرة , أو يشكل عليه , ولا يستدل بها على الباطل.
ثم روى ابن وضاح , بإسناده عن أبي أمية , قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني , فقلت: يا أبا ثعلبة كيف تصنع في هذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: قو الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105] .
قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرًا , سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (( بل ائتمروا بالمعروف , وتناهوا عن المنكر , حتى إذا رأيت شحًا مطاعًا , وهوى متبعًا , ودنيا مؤثرة , وإعجاب كل ذي رأي برأيه , فعليك بنفسك , ودع أمر العوام؛ فإن من ورائكم أيامًا , الصبر فيهن مثل قبض على الجمر , للعامل فيهن أجر خمسين رجلًا , يعملون مثل عمله ) )قيل يا رسول الله: أجر خمسين منهم؟ قال: أجر خمسين منكم )) .
ثم روى بإسناده , عن عبد الله بن عمرو , رضي الله عنهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( طوبى للغرباء ثلاثًا ) )قالوا يا رسول الله: وما الغرباء؟ قال: (( ناس صالحون قليل , في أناس كثير , من يبغضهم أكثر ممن يحبهم ) )أخبرنا محمد بن سعيد بإسناده , عن المعافري , قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (( طوبى للغرباء , الذين يتمسكون بكتاب الله حين ينكر , ويعملون بالسنّة حين تطفأ ) ).
أخبرنا أسد , بإسناده عن سالم بن عبد الله , عن أبيه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( بدأ الإسلام غريبًا , ولا تقوم الساعة حتى يكون غريبًا , فطوبى للغرباء حين يفسد الناس , ثم طوبى للغرباء حين يفسد الناس ) )أخبرنا أسد