بإسناده , عن عبد الله: أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ , فطوباء للغرباء ) )قيل ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: (( الذين يصلحون إذا أفسد الناس ) )هذا آخر ما نقلته من كتاب (( البدع والنهي عنها ) )لإمام الحافظ محمد بن وضاح رحمه الله.
فتأمل رحمك الله: أحاديث الغربة , وبعضها في الصحيح , مع كثرتها وشهرتها؛ وتأمل إجماع العلماء كلهم , أن هذا قد وقع في زمن طويل , حتى قال ابن القيم: الإسلام في زماننا أغرب منه في ظهوره , فتأمل هذا تأملًا جيدًا , لعلك أن تسلم من الهوة الكبيرة , التي هلك فيها أكثر الناس , وهي الاقتداء بالكثرة والسواد الأكبر , والنفرة من الأقل , فما أقل من سلم منها , ما أقله , ما أقله , ما أقله.
ولنختم ذلك: بالحديث الصحيح , الذي أخرجه مسلم في صحيحه , عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي , إلا كان له من أمته حواريون , أصحاب يأخذون بسنّته , ويقتدون بأمره ) )وفي رواية (( يهتدون بهديه , ويستنون بسنّته , ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف , يقولون ما لا يفعلون , ويفعلون مالا يؤمرون , فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن , ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن , ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن , وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ) )انتهى ما نقلته , والحمد لله رب العالمين.
وقد رأيت للشيخ: تقي الدين , رسالة كتبها وهو في السجن , إلى بعض إخوانه , لما أرسلوا إليه , يشيرون عليه بالرفق بخصومه , ليتخلص من السجن , أحببت أن أنقل أولها , لعظم منفعتها.
قال رحمه الله تعالى: الحمد لله نحمده ونستعينه , ونستغفره ونتوب إليه , ونعوذ بالله من شرور أنفسنا , ومن سيئات أعمالنا , من يهده الله فلا مضل له , ومن يضلل فلا هادي له , ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله , أرسله بالهدى ودين الحق , ليظهره على الدين كله , وكفى بالله شهيدًا؛ وصلى الله على محمد , وعلى آله وصحبه , وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فقد وصلت الورقة , التي فيها رسالة الشيخين , الناسكين , القدوتين , أيدهما الله , وسائر الإخوان , بروح منه , وكتب في قلوبهم الإيمان , وأدخلهم مدخل صدق , وأخرجهم مخرج صدق , وجعل لهم من لدنه ما ينصر به من السلطان , سلطان العلم والحجة , والبيان والبرهان , وسلطان القدوة والنصرة , باللسان والأعوان , وجعلهم من أوليائه المتقين , وحزبه الغالبين لمن ناواهما من الأقران , ومن الأئمة الذين جمعوا بين الصبر والإيقان , والله محقق ذلك , ومنجز وعده في السر والإعلان , ومنتقم من حزب الشيطان لعباد الرحمن.
لكن بما اقتضته حكمته , مضت به سنّته , من الابتلاء والامتحان , الذي يميز الله به أهل الصدق والإيمان , من أهل النفاق والبهتان , إذ قد دل الكتاب على أنه لابدّ من الفتنة , لكل من ادعى الإيمان , والعقوبة لذوي الإساءة والطغيان , فقال تعالى ألم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله