الصفحة 47 من 461

منكم )) وعتبة هذا , قال الحافظ المنذري , في مختصر السنن لأبي داود , هو: العباس بن أبي حكيم الهمداني الشامي. وثقه غير واحد , وتكلم فيه غير واحد؛ قلت: وقد حكم الترمذي على هذا الحديث، أنه حسن غريب.

إذا عرفت ذلك، فالمعنى الذي لأجله استحق الأجر العظيم، والثواب، وساوى فضل خمسين من الصحابة، إنما هو لعدم المعاون والمساعد، على ما ذكره الحافظ أبو سليمان الخطابي، وأبو الفرج عبد الرحمن بن رجب و غيرهما.

فالمستقيم على المنهج السوي، والطريق النبوي , عند فساد الزمان , ومروج الأديان غريب , ولو عند الحبيب , إذ قد توفرت الموانع , وكثرت الآفات , وتظاهرت القبائح والمنكرات، وظهر التغير في الدين والتبديل , و إتباع الهوى والتضليل , وفقد المعين ,وعز من تلوذ به من الموحدين , وصار الناس كالشيء المشوب شر المنافقين، وعيل صبر المتقين , وتقطعت سبل المسالك , وترادفت الضلالات والمهالك؛ ومنع الخلاص و لات حين مناص، فالموحد بينهم أعز من الكبريت الأحمر، ومع ذلك فليس له مجيب ولا راع، ولا قابل لما يقول ولا داع.

وقد نصبت له رايات الخلاف، ورمى بقوس العداوة و الاعتساف , ونظرت إليه شزر العيون , وأتاه الأذى من كل منافق مفتون؛ واستحكمت له الغربة، و أفلاذ كبده تقطعت مما جرى في دين الإسلام , وعراه من الانثلام والانفصام , والباطل قد اضطربت ناره , وتطاير في الآفاق شراره , ومع هذا كله , فهو على الدين الحنيفي مستقيم , وبحجج الله وبراهينه مقيم , فبالله , قل لي: هل يصدر هذا إلا عن يقين صدق راسخ في الجنان , وكمال توحيد وصبر وإيمان، ورضا وتسليم لما قدره الرحمن , وقد وعد الله الصابرين جزيل الثواب {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} ، [الزمر: 10] وقد قال بعض العلماء رحمهم الله: من اتبع القرآن والسنة , وهاجر إلى الله بقلبه، واتبع آثار الصحابة، لم يسبقه الصحابة، إلا بكونهم رأوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انتهى.

وفي ذلك الزمان , فالكل له أعوان وإخوان، ومساعدون ومعاضدون , ولهذا قال علي بن المدني , كما ذكره عن ابن الجوزي، في كتاب صفة الصفوة , ما قدم أحد بالإسلام بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قام أحمد بن حنبل، قيل يا أبا الحسن: ولا أبا بكر الصديق؟ قال: إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه، كان له أصحاب وأعوان , وأحمد بن حنبل لم يكن له أصحاب، انتهى.

وقد روى الإمام أحمد، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه , قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (( بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ , فطوبى للغرباء؟ قال: (( النُّزَّاع من القبائل ) )ورواه أبو بكر الآجري الحنبلي؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت