الصفحة 53 من 461

وهذا أحد الأحاديث، التي يدور عليها الإسلام , كما قال الإمام أحمد: الإسلام يدور على ثلاثة أحاديث , حديث عمر رضي الله عنه: (( إنما الأعمال بالنيات ) )وحديث عائشة رضي اله عنها (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) )وحديث (( الحلال بين والحرام بين ) )إلخ.

وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في خطبه: (( إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة ) )وهذا من جوامع الكلم، التي أعطيها نبينا - صلى الله عليه وسلم - فمن ابتدع شيئًا استحسنه، وقال هذه بدعة حسنة، فهو مشاق لقوله - صلى الله عليه وسلم: (( كل بدعة ضلالة ) )وما يطلق عليه اسم البدعة مما فعله الصحابة , والأئمة والتابعون , فهو بدعة لغوية , كقول عمر: نعمت البدعة هذه، يعني التراويح، وكزيادة عثمان والصحابة، الأذان الأول يوم الجمعة، فهو لا يدخل في قوله - صلى الله عليه وسلم: (( كل بدعة ضلالة ) )لأن له أصلًا في الشرع.

وأيضًا: فهو مما سنه الخلفاء الراشدون , ولهم سنة يجب اتباعها , لقوله - صلى الله عليه وسلم - (( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ) )ومن ابتدع شيئًا استحسنه , وقال هذه بدعة حسنة , فمقتضى دعواه أنه يقول: ليس كل بدعة ضلالة، فهذا مشاق لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - و مراغم له، وإنما الذي ينبغي أن يقال: إنما ثبت حُسْنُهُ من الأعمال , التي قد يندرج في الحديث.

قال ابن رجب: وما وقع علماء السلف , من استحسان بعض البدع , إنما ذلك في البدع الغوية لا الشرعية , وذكر من ذلك , جمع عمر على التراويح , وأذان الجمعة الأول , وجمع عثمان الناس على مصحف واحد , وقتال أبي بكر مانعي الزكاة وغير ذلك.

ومما يبين أن البدعة مذمومة , وهي: ما لم يشرع الله ورسوله فعله , إنكار الصحابة على من أذن لصلاة العيدين , لأنه لم يفعله - صلى الله عليه وسلم - وإن كان فاعله قد يحتج بقوله تعالى: {ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله} [فصلت: 33] ونحو ذلك , كإنكارهم على من قدم خطبة العيد على الصلاة , وإنكارهم على من رفع يديه في الخطبة، وإن كان رفع اليدين بالدعاء وردت به الأحاديث , لكن إنما أنكر الرفع في هذا المحل , لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفعله في هذا الموضع؛ والآثار عنهم وعن التابعين والأئمة في ذلك كثيرة.

وروى ابن وضاح: أن عبد الله بن مسعود حدّث , أن أناسًا يسبحون بالحصى في المسجد، وأتاهم وقد كوم كل رجل منهم , كومة من الحصى بين يديه، فلم يزل يحصبهم، حتى أخرجهم من المسجد، ويقول: لقد أحدثتم بدعة ظلماء , أو قد فضلتم على أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - علمًا.

وبلغه: أنا ناس يجتمعون في المسجد , ويقول أحدهم هللوا كذا , وسبحوا كذا، وكبروا كذا , فيفعلون؛ وقال ابن مسعود: إنكم لأهدى من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو أضل، بل هذا , يعني: أضل؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت