فانظر لإنكارهم لهذا الصنيع , مع أن فاعل ذلك ربما ظن دخوله تحت قوله تعالى: {اذكروا الله ذكرًا كثيرًا} الآية [الأعراف: 41] وإنما أنكر ابن مسعود رضي الله عنه الذكر على هذه الهيئة، التي لم يكن الصحابة رضي الله عنهم يفعلونها.
وقال ابن مسعود: اتبعوا و لا تبتدعوا فقد كفيتم، وكل بدعة ضلالة؛ وقال حذيفة: اتبعوا سبيلنا، فلئن اتبعتمونا لقد سبقتم سبقًا بعيدًا , ولئن خالفتمونا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا؛ والآثار عن الصحابة في ذلك كثيرة، وكذلك الآثار عمن من بعدهم، في النهي عن البدع والتحذير منها، ومن ذلك كراهة الإمام أحمد للقارئ , إذا أتى على سورة قل هو الله أحد , أن يكررها ثلاثًا , لعدم وروده , مع ما ورد فيها من الفضل.
وكذلك ما روي عن مالك وسفيان و غيرهما , وكره أحمد قراءة سورة الجمعة في عشاء ليلة الجمعة، لعدم وروده , وإن كانت المناسبة فيها ظاهرة , وكلامهم في ذلك كثير , وكذا: كراهتهم الدعاء إذا جلسوا بين التراويح , وكذا قول المؤذن قبل الأذان {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا} الآية [الإسراء: 111] وكقوله قبل الإقامة: اللهم صلى على محمد، ونحو ذلك من المحدثات.
ومثل ذلك: ما أحدثوه من أزمنة , من رفع الأصوات في المنابر ليلة الجمعة، بالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - , الذي يسمونه التذكير، فلو كان خيرًا يحبه الله , لسبقنا إليه أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - فإنهم كفوا من بعدهم , كما قالوا: اتبعوا ولا تبتدعوا , فقد كفيتم؛ فإنهم رضي الله عنهم: بالخير أعلم , وعليه أحرص.
فمن ابتدع شيئًا يتقرب به إلى الله , ولم يجعله الله ورسوله قربة، فقد شرع في الدين ما لم يأذن به الله {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} [الشورى: 21] واستدرك على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأنهم لم يعلموا ما علمه , أو أنهم لم يعملوا بما علموا , فلزمه استجهال السابقين الأولين , من المهاجرين و الأنصار , أو تقصيرهم في العمل.
فهم رضي الله عنهم: قد كفوا من بعدهم , والخير في الإتباع , والشر في الابتداع؛ أرأيت لو أن رجلًا أذن , فكبر أول الأذان خمس مرات، أو ست مرات، أو كرر لا إله إلا الله في آخر الأذان ثلاث مرات، أو أربع، أليس ينكر عليه؟ فإن احتج بفضل الذكر، وبقوله: {اذكروا الله ذكرًا كثيرًا} [الأحزاب: 41] ونحو زيادة خير , فيدخل تحت قوله تعالى: {وافعلوا الخير لعلكم تفحلون} [الحج: 77] ونحو ذلك.