الصفحة 64 من 461

فيها خالدون [البقرة: 217] فأخبر تعالى أن الكفار لا يزالون يقاتلون المسلمين حتى يردوهم عن دينهم إن استطاعوا , ولم يرخص في موافقتهم خوفًا على النفس والمال والحرمة.

بل أخبر عمن وافقهم بعد أن قاتلوا ليدفع شرهم , أنه مرتد , فإن مات على ردته بعد أن قاتله المشركين , فإنه من أهل النار الخالدين فيها , فكيف بمن وافقهم من غير قتال؟ فإذا كان من وافقهم بعد أن قاتلوا لا عذر لهم من غير خوف ولا قتال , أنهم أولى بعدم العذر , وأنهم كفار مرتدون.

الدليل الثالث: قوله تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا تقاة} [آل عمران: 28] فنهى سبحانه المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء وأصدقاء و أصحابًا من دون المؤمنين , وإن كانوا خائفين منهم , وأخبر أن من فعل ذلك فليس من الله في شيء , أي: لا يكون من أولياء الله الموعودين بالنجاة في الآخرة {إلا تتقوا منهم تقاة} .

وهو: أن يكون الإنسان مقهورًا معهم , لا يقدر على عدواتهم , فيظهر لهم المعاشرة وقلبه مطمئن بالبغضاء و العدواة , وانتظار زوال المانع , فإذا زال رجع إلى العدواة والبغضاء , فكيف بمن اتخذهم أولياء من دون المؤمنين من غير عذر , إلا استحباب الدنيا على الآخرة , والخوف من المشركين , وعدم الخوف من الله؟ فما جعل الله الخوف منهم عذرًا , بل قال تعالى: {إنما ذالكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم و خافون إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: 175] .

الدليل الرابع: قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين} [آل عمران: 149] فأخبر تعالى: أن المؤمنين إن أطاعوا الكفار فلا بد أن يردوهم على أعقابهم عن الإسلام، فإنهم لا يقنعون منهم بدون الكفر , وأخبر أنهم إن فعلوا ذلك صاروا من الخاسرين في الدنيا والآخرة , ولم يرخص في موافقتهم وطاعتهم خوفًا منهم.

وهذا هو الواقع , فإنهم لا يقنعون ممن وافقهم إلا بالشهادة أنهم على حق , وإظهار العداوة والبغضاء للمسلمين , وقطع اليد منهم؛ ثم قال تعالى: {بل الله مولاكم وهو خير الناصرين} [آل عمران: 150] . فأخبر تعالى أنه ولي المؤمنين وناصرهم , وهو خير الناصرين , ففي ولايته وطاعته كفاية , وغنية عن طاعة الكفار , فيا حسرة على العباد الذين عرفوا التوحيد و نشؤوا فيه , ودانوا به زمانًا ,

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت