الصفحة 68 من 461

وهذا هو الواقع من هؤلاء المرتدين , وأعظم، فإن الله تعالى أعطاهم آياته التي فيها الأمر بتوحيده ودعوته وحده لا شريك له , والنهي عن الشرك به، ودعوته , والأمر بموالاة المؤمنين , ومحبتهم ونصرتهم، والاعتصام بحبل الله جميعًا، والكون مع المؤمنين , والأمر بمعاداة المشركين وبغضهم، وجهادهم وفراقهم، والأمر بهدم الأوثان , وإزالة القحاب واللواط، والمنكرات , وعرفوها وأقروا بها , ثم انسلخوا من ذلك كله , فهم أولى بالانسلاخ من آيات الله , والكفر والردة , من بلعام أو هم مثله.

الدليل الثالث عشر: قوله تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون} [هود: 113] فذكر تعالى: أن الركون إلى الظلمة والكفار والظالمين، موجب لمسيس النار؛ ولم يفرق بين من خاف منهم وغيره إلا المكره , فكيف بمن اتخذ الركون إليهم دينًا ورأيًا حسنًا , وأعانهم بما قدر عليه من مال ورأي، وأحب زوال التوحيد وأهله , واستيلاء أهل الشرك عليهم، فإن من أعظم الكفر والركون.

الدليل الرابع عشر: قوله تعالى: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم , ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين} [النحل: 106 - 107] فحكم تعالى حكمًا لا يبدل: أن من رجع عن دينه إلى الكفر فهو كافر، سواء كان له عذرًا خوفًا على نفس أو مال أو أهل أم لا , وسواء كفر بباطنه وظاهره , أم بباطنه دون ظاهره , وسواء كفر بفاعله أو مقاله , أو بأحدهما دون الآخر، وسواء كان طامعًا في دنيا ينالها من المشركين أم لا , فهو كافر على كل حال , إلا المكره , وهو في لغتنا: المغصوب.

فإذا أكره إنسان على الكفر , أو قيل له اكفر و إلا قتلناك , أو ضربناك , أو أخذه المشركون فضربوه , ولم يمكنه التخلص إلا بموافقتهم , جاز له موافقتهم بالظاهر , بشرط أن يكون قلبه مطمئنًا بالإيمان , إي ثابتًا عليه معتقدًا له , فأما إن وافقهم بقلبه , فهو كافر ولو كان مكرهًا.

وظاهر كلام أحمد: أنه في الصورة الأولى , لا يكون مكرهًا حتى يعذبه المشركون , فإنه لما دخل عليه يحيى بن معين وهو مريض , فسلم عليه فلم يرد عليه السلام , فما زال يعتذر ويقول حديث عمار , وقال الله: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} فقلب أحمد وجهه إلى الجانب الآخر , فقال: يحيى لا يقبل عذرًا , فلما خرج يحيى , قال أحمد: يحتج بحديث عمار , وحديث عمار مررت بهم وهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت