يسبونك , فنهيتهم فضربوني , وأنتم: قيل لكم نريد أن نضربكم؛ فقال يحيى: والله ما رأيت تحت أديم السماء أفقه في دين الله منك.
ثم أخبر تعالى: أن هؤلاء المرتدين الشارحين صدورهم بالكفر , وإن كانوا يقطعون على الحق , ويقولون: ما فعلنا هذا إلا خوفًا , فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم.
ثم أخبر تعالى: أن سبب هذا الكفر والعذاب , ليس بسبب الاعتقاد للشرك , أو جهل بالتوحيد , أو البغض للدين , أو محبة الكفر , وإنما سببه أن له في ذلك حظًا من حظوظ الدنيا فآثره على الآخرة؛ وعلى رضا رب العالمين فقال:: {ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين} فكفرهم تعالى , وأخبر أنه لا يهديهم مع كونهم يعتذرون بمحبة الدنيا , ثم أخبر تعالى: أن هؤلاء المرتدين لأجل استحباب الدنيا على الآخرة , هم الذين طبع الله على قلوبهم وسمهم وأبصارهم , وإنهم الغافلون؛ ثم أخبر خبرًا مؤكدًا محققًا: أنهم في الآخرة هم الخاسرون.
الدليل الخامس عشر: قوله تعالى عن أهل الكهف: {إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذًا أبدا} [الكهف: 20] فذكر تعالى عن أهل الكهف: أنهم ذكروا عن المشركين: أنهم إن قهروكم وغلبوكم , فهم بين أمرين , إما أن يرجموكم أي يقتلوكم شر قتلة برجم؛ وإما أن يعيدوكم في ملتهم ودينهم {ولن تفلحوا إذًا أبدا} .
أي: وإن وافقهم على دينهم , بعد أن غلبوكم وقهروكم , فلن تفلحوا إذًا أبدًا , فهذا حال من وافقهم بعد أن غلبوه , فكيف بمن وافقهم وراسلهم من بعيد , وأجابهم إلى ما طلبوا من غير غلبة ولا إكراه , ومع ذلك يحسبون أنهم مهتدون؟!.
الدليل السادس عشر: قوله تعالى: {ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين} [الحج: 11] فأخبر تعالى: أن من الناس من يعبد الله على حرف , أي على طرف , فإن أصابه خير أي نصر وعز وصحة , وسَعَة وأمن وعافية ونحو ذلك , اطمأن به , أي ثبت وقال هذا دين حسن , ما رأينا فيه إلا خيرًا , وإن أصابته فتنة , أي: خوف ومرض وفقر ونحو ذلك , انقلب على وجهه , أي ارتد على دينه , ورجع إلى أهل الشرك , فهذه الآية مطابقة لحال المنقلبين عن دينهم في هذه الفتنة سواء بسواء.
فإنهم قبل هذه الفتنة , يعبدون الله على حرف، أي على طرف , ليسوا ممن يعبد الله على يقين وثبات , فلما أصابتهم هذه الفتنة انقلبوا عن دينهم , وأظهروا الموافقة للمشركين , وأعطوهم الطاعة , وخرجوا