عن جماعة المسلمين إلى جماعة المشركين , فهم معهم في الآخرة كما هم معهم في الدنيا فـ {ـخسروا الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين} هذا مع أن كثيرًا منهم في عافية ما أتاهم من عدو , وإنما ساء ظنهم بالله , فظنوا أن يديل الباطل وأهله على الحق وأهله , فأرادهم سوء ظنهم بالله , كما قال تعالى: {وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين} [فصلت: 23] .
وأنت يَا مَنْ مَنّ الله عليه بالثبات على الإسلام , احذر أن يدخل في قلبك شيء من الريب، أو تحسين هؤلاء المرتدين , وأن موافقتهم للمشركين وإظهار طاعتهم رأيًا حسنًا , حذرًا على الأنفس والأموال والمحارم , فإن هذه الشبهة , هي التي أوقعت كثيرًا من الأولين والآخرين في الشرك بالله، ولم يعذرهم الله بذلك، و إلا فكثير منهم يعرفون الحق , ويعتقدونه بقلوبهم , وإنما يدينون لله بالشرك , للاعتذار الثمانية التي ذكرها الله في كتابه , أو لبعضها , فقال: {قل إن كان آبائكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} [التوبة: 24] .
الدليل السابع عشر: قوله تعالى: {إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم , ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم , ذلك بأنهم اتبعوا ما اسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم} [محمد: 25 - 28] . فذكر تعالى عن المرتدين على أدبارهم: أنهم من بعد ما تبين لهم الهدى ارتدوا على علم , فلم ينفعهم عملهم بالحق مع الردة , وغرهم الشيطان بتسويله وتزيين ما ارتكبوه من الردة.
وهكذا حال هؤلاء المرتدين في هذه الفتنة , غرهم الشيطان فأوهمهم أن الخوف عذر لهم في الردة , وأنهم بمعرفة الحق ومحبته والشهادة لا يضرهم ما فعلوه , ونسوا إن المشركين من يعرفون الحق ويحبونه ويشهدون به , ولكن يتركون متابعته والعمل به محبة للدنيا , وخوفًا على الأنفس والأموال , والمآكل و الرياسات.
ثم قال تعالى: {ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر} فأخبر تعالى: أن سبب ما جرى عليهم من الردة , و تسويل الشيطان والإملاء لهم , هو قولهم للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر , فإذا كان مَنْ وَعَدَ المشركين، الكارهين لما أنزل الله , طاعتهم في بعض الأمر , كافرًا , وإن لم يفعل ما وعدهم به , فكيف بمن وافق المشركين الكارهين لما أنزل الله , من الأمر بعبادته وحده لا شريك له , وترك عبادة ما سواه , من الأنداد والطواغيت والأموات , وأظهر أنهم على هدى ,