الصفحة 71 من 461

وإن أهل التوحيد مخطئون في قتالهم , وأن الصواب في مسالمتهم والدخول في دينهم الباطل , فهؤلاء أولى بالردة من أولئك الذين وعدوا المشركين بطاعتهم في بعض الأمر , ثم أخبر تعالى عن حالهم الفظيع عند الموت , ثم قال: (ذلك) أي الأمر الفظيع عند الوفاة {بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم} .

ولا يستريب المسلم أن اتباع المشركين , والدخول في جملتهم , والشهادة أنهم على حق , ومعاونتهم على زوال التوحيد وأهله , ونصرة القباب و القحاب واللواط , من اتباع ما يسخط الله , وكراهة رضوانه , وإن ادعوا أن ذلك لأجل الخوف , فإن الله ما عذر أهل الردة بالخوف من المشركين , بل نهى عن خوفهم , فأين هذا ممن يقول: ما جرى منا شيء ونحن على ديننا؟!.

الدليل الثامن عشر: قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدًا أبدًا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون} [الحشر: 11] فعقد الله تعالى الأخوة بين المنافقين والكفار، وأخبر أنهم يقولون لهم في السر: لئن أخرجتم لنخرجن معكم , أي: لئن غلبكم محمدًا - صلى الله عليه وسلم - وأخرجكم من بلادكم {لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدًا أبدًا} أي: لا نسمع من أحد فيكم قولًا , ولا نعطي فيكم طاعة {وإن قوتلتم لننصرنكم} أي: إن قاتلكم محمد - صلى الله عليه وسلم - لننصركم , ونكون معكم , ثم شهد إنهم لكاذبون في هذا القول.

فإذا كان وعد المشركين في السر بالدخول معهم , ونصرهم والخروج معهم إن جلوا , نفاقًا وكفرًا وإن كان كذبًا , فكيف بمن أظهر ذلك صدقًا؟ وقدم عليهم ودخل في طاعتهم , ودعا إليها ونصرهم , وانقاد لهم وصار من جملتهم , وأعانهم بالمال والرأي؟ هذا مع أن المنافقين لم يفعلوا ذلك , إلا خوفًا من الدوائر , كم قال تعالى: {فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة} [المائدة: 52] .

وهكذا حال كثير من هؤلاء المرتدين في هذه الفتنة , فإن عذر كثير منهم هذا , هو العذر الذي ذكره الله عن الذين في قلوبهم مرض , ولم يعذرهم الله به , قال تعالى: فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت