الصفحة 77 من 461

وتعالى الإيمان عمن هذا شأنه , ولو كانت مودته ومحبته و مناصحته لأبيه وأخيه وابنه ونحوهم , فضلًا عن غيرهم.

وقال تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار} [هود: 113] قال ابن عباس: {ولا تركنوا} قال: لا تميلوا؛ وقال عكرمة: أن تطيعوهم أو تودوهم , أو تصطنعوهم , ومعنى تصطنعوهم , أي: تولهوهم الأعمال , كمن يولي الفساق والفجار؛ وقال الثوري: ومن لاق لهم دواة , أو برى لهم قلمًا، أو ناولهم قرطاسًا دخل في هذا؛ قال بعض المفسرين في الآية: فالنهي متناول للانحطاط في هواهم , والانقطاع إليهم , ومصاحبتهم , ومجالستهم , وزيارتهم ومداهنتهم , والرضا بأعمالهم , والتشبه بهم و التزيي بزيهم , ومد العين إلى زهرتهم , وذكره بما فيه تعظيم لهم , وتأمل قوله: {ولا تركنوا} والركون هو الميل اليسير.

وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة} إلى قوله: {فأولئك هم الظالمون} [الممتحنة: 1 - 9] وصح: أن صدر هذه السورة نزلت في حاطب بن أبي بلتعة , لما كتب إلى المشركين , يخبرهم بمسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم , وجاء في تفسير قوله تعالى: {لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر} الآية [المجادلة: 22] أنها في أبي عبيدة بن الجراح , لما قتل أباه يوم بدر , كما رواه الطبراني وابن أبي حاتم , والحاكم وغيرهم.

وعن ابن جريج قال حدثت: أن أبا قحافة سب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (( أفعلت يا أبا بكر ) )فقال: والله لو كان السيف قريبًا مني لضربته، فنزلت (( لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر ) )رواه ابن المنذر , وهذا - والله أعلم - في أول الإسلام , فإن أبا قحافة أسلم عام الفتح , فلم يكن ليسب النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الإسلام , وأبو بكر خرج مهاجرًا من مكة , ولم يعد إليها إلا بعد الإسلام , في عمرة النبي - صلى الله عليه وسلم -.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: (( من أحب في الله , وأبغض في الله , وعادى في الله , ووالى في الله , فإنما تنال ولاية الله بذلك ) )رواه ابن أبي شيبة , وابن أبي حاتم؛ وفي حديث رواه أبو نعيم وغيره , عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( أوحى الله إلي نبي من الأنبياء: أن قل لفلان العابد , أما زهدك في الدنيا فتعجلت راحت نفسك , وأما انقطاعك إلي فتعززت به , فما عملت فيما لي عليك , قال يا رب: ومالك علي؟ قال: (( هل واليت لي وليًا , أو عاديت لي عدوًا ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت