ولكن طرح النكال , إن كان عن مسلم مظلوم , فالشفاعة فيه , والسعي في إسقاطه بالرأي , ونحوه حسن , وإن كان عن مرتد فلا نعما لعثرته ولا كرامة , ويكفي في ذلك ما رواه أحمد , والترمذي وحسنه , وابن أبي حاتم والطبراني , والحاكم وصححه عن ابن مسعود , قال: لما كان يوم بدر جيء بالأسرى , وفيهم العباس , فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( ما تأمرون في هؤلاء الأسرى , فقال أبو بكر: قومك يا رسول الله وأهلك , فاستبقهم لعل الله يتوب عليهم؛ وفي حديث أنس، عن أحمد: نرى أن تعفو عنهم , وتقبل منهم الفداء؛ وفي حديث ابن مسعود , فقال عمر: يا رسول الله، كذبوك، وأخرجوك، وقاتلوك، قدمهم فاضرب أعناقهم، فدخل النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يرد عليهم شيئًا.
فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: (( يا أبا بكر: مثلك مثل إبراهيم عليه السلام، قال: {فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم} [إبراهيم: 36] ومثلك يا عمر: كمثل نوح , قال: {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارًا} [نوح: 26] أنتم عالة , فلا ينفلتن أحد منهم إلا بفداء , أو ضرب عنق؛ فأنزل الله: {ما كان لنبيٍّ أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} [الأنفال: 67 - 68] مختصرًا.
وفي حديث أنس: فأنزل الله: {لو لا كتاب من الله سبق} الآية؛ وفي حديث ابن عمر , عن أبي نعيم: فلقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمر , فقال: (( كاد أن يصيبنا في خلافك شر ) )وفي رواية عنه - عند ابن المنذر وابن مردويه - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( إن كاد لمسنا في خلاف ابن الخطاب عذاب عظيم، ولو نزل عذاب ما أفلت إلا عمر ) ).
فإذا كان هذا في رأي الصديق رضي الله عنه , الذي اجتهد فيه , ونصح لله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - , فما ظنك بمن يفعل ذلك , مع حمية دنيوية , لا لغرض دين , ولا يقصد وجه الله بذلك , بل لا يقصد إلا الدنيا.
فإن قيل: فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يذم أبا بكر على التشبيه , بل شبهه بإبراهيم وعيسى و ميكائيل، عليهم السلام , وشبه عمر: بجبريل ونوح وموسى عليهم السلام.
قيل المراد: في الموافقة في أهل اللين والرحمة , لا في خصوص هذه المسألة , فإن الصواب فيها مع عمر قطعًا بكتاب الله , ومع ذلك تواعد الله بأخذ الفداء بالعذاب , لولا ما سبق من كتاب الله , أنه رأي للصديق رضي اله عنه , الذي اجتهد فيه , فكيف بمن ينصح لهم؟ ويرفق بهم , ويرى الكف عن القتال , ويشير بإسقاط النكال عنهم من غير مسوغ شرعي , بل لمجرد المحبة الدنيوية.