وأما من يشير بكف المسلمين عنهم , فإن كان مراده بذلك تأليفهم , على الدخول في الإسلام , أو دخلوا فيه , أو واعدوه بالدخول فيه عن قريب , وكانت المصلحة في تركهم قليلة ونحوه , يجوز ذلك؛ وإن كان المراد به: أن لا يتعرض المسلمون لهم بشيء، لا بقتال ولا نكال , وإغلاظ ونحو ذلك , فهو من أعظم أعوانهم , وقد حصلت له موالاتهم مع بعد الديار , وتباعد الأقطار , كما قيل:
سهم أصاب وراميه بذي سلم من بالعراق لقد أبعدت مرماك
وأما من يشير بترك نقائض المسلمين لهم إن كانوا مرتدين , فهذا عند الفقهاء مخطئ آثم , لأنه يجب على المرتد ضمان ما أتلفه في حال الردة , خصوصًا من تكررت منه الردة مرارًا , فإنه لا يقص بذلك في هذا الزمان , إلا الإغارة والنهب لا غير , فترك ذلك له , من أعظم المعاونة على الإثم والعدوان , ولهذا لما صار هذا أمرًا سائغًا عند بعض الناس , انفتحت للبدوان أبواب الردة , وأتوه مهطعين من كل وجه , فلا يجب طرد ذلك لكل أحد في كل زمان , فاعلم ذلك.
وأما قول السائل: هل يكون موالاة نفاق , أم يكون كفرًا؟
فالجواب: إن كانت الموالاة مع مساكنتهم في ديارهم , والخروج معهم في قتالهم , ونحو ذلك , فإنه يحكم على صاحبه بالكفر , كما قال تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} [المائدة: 51] وقال تعالى: وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذًا مثلهم [النساء: 140] وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( من جامع المشركين وسكن معهم فإنه مثلهم ) )وقال: (( أنا بريء من مسلم بين أظهر المشركين ) )رواهما أبو داود.
وإن كانت الموالاة لهم في ديار الإسلام , إذا قدموا إليهم ونحو ذلك , فهذا عاص آثم متعرض للوعيد , وإن كان موالاتهم لأجل دنياهم، يجب عليه من التعزير بالهجر والأدب ونحوه ما يزجر أمثاله، وإن كانت الموالاة لأجل دينهم فهو مثلهم , ومن أحب قومًا حشر معهم.
ولكن ليتفكر السائل في قوله: حمية دنيوية يمكن هذا لإبلاغ المحبة في قلوبهم , و إلا فلو كان يبغضهم في الله ويعاديهم , لكان أقر شيء لعينه ما يسخطهم , ولكن كما قال ابن القيم:
أتحب أعداء الحبيب وتدعي ... حبًاله ما ذاك في إمكان
وأما قول السائل: فإن كان ما يقدر من نفسه , أن يتلفظ بكفرهم وسبهم ما حكمه؟
فالجواب: لا يخلو ذلك عن أن يكون شاكًا في كفرهم أو جاهلًا به , أو يقر بأنهم كفرة هم وأشباههم , ولكن لا يقدر على مواجهتهم و تكفيرهم , أو يقول: غيرهم كفار , لا أقول إنهم كفار؛ فإن كان