الصفحة 86 من 461

وقد كان الصحابة رضي الله عنهم: يفعلون ذلك كثيرًا , كما قال حذيفة رضي الله تعالى عنه , إن الرجل ليتكلم بالكلمة في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيكون بها منافقًا , وكما قال عوف بن مالك لذلك المتكلم. بذلك الكلام القبيح كذبت , ولكنك منافق؛ وكذلك قال عمر في قصة حاطب: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق؛ وفي رواية: دعني أضرب عنقه فإنه منافق , وأشباه ذلك كثير؛ وكذلك قال أسيد بن حضير لسعد بن عبادة، لما قال ذلك الكلام , كذبت ولكنك منافق , تجادل عن المنافقين.

ولكن ينبغي أن يعرف: أنه لا تلازم بين إطلاق النفاق عليه ظاهرًا , وبين كونه منافقًا باطنًا؛ فإذا فعل علامات النفاق , جاز تسميته منافقًا لمن أراد أن يسميه بذلك , وإن لم يكن منافقًا في نفس الأمر , لأن بعض هذه الأمور , قد يفعلها الإنسان مخطئًا لا علم عنده , أو لقصد يخرج به عن كونه منافقًا , فمن أطلق عليه النفاق لم ينكر عليه , كما لم ينكر النبي - صلى الله عليه وسلم - على أسيد بن حضير تسميته سعدًا منافقًا , مع أنه ليس بمنافق , ومن سكت لم ينكر عليه , بخلاف المذبذب الذي ليس مع المسلمين , ولا مع المشركين , فإنه لا يكون إلا منافقًا.

واعلم: أنه لا يجوز إطلاق النفاق على المسلم بالهوى والعصبية , أو لكونه يشاحن رجلًا في أمر دنيا , أو يبغضه لذلك , أو لكونه يخالفه في بعض الأمور , التي لا يزال الناس فيه مختلفين , فليحذر الإنسان أشد الحذر , فإنه قد صح في ذلك الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيمن رمى مؤمنًا بكفر فهو كقتله , وإنما يجوز من ذلك ما كانت العلامات مطردة في النفاق , كالعلامات التي ذكرنا وأشباهها , بخلاف مثل الكذبة والفجرة ونحو ذلك , وكان قصد الإنسان ونيته إعلاء كلمة الله , ونصر دينه.

المسألة السادسة: في الموالاة والمعاداة , هل هي من معنى لا إله إلا الله , أ, من لوازمها؟

الجواب: أن يقال: الله أعلم , لكن بحسب المسلم أن يعلم: أن الله افترض عليه عداوة المشركين , وعدم موالاتهم , وأوجب عليه محبة المؤمنين وموالاتهم , وأخبر أن ذلك من شروط الإيمان , ونفى الإيمان عمن يواد من حاد الله ورسوله , ولو كانوا آبائهم أو أبنائهم أو إخوانهم أو عشريتهم.

وأما كون ذلك من معنى لا إله إلا الله أو لوازمها , فلم يكلفنا الله بالبحث عن ذلك , وإنما كلفنا بمعرفة أن الله فرض ذلك وأوجبه , وأوجب العمل به , فهذا هو الفرض و الحتم الذي لا شك فيه , ومن عرف أن ذلك من معناه , أو من لازمها فهو حسن , وزيادة خير , ومن لم يعرفه فلم يكلف بمعرفته , لاسيما إذا كان الجدال والمنازعة فيه , مما يفضي إلى شر واختلاف , ووقوع فرقة من المؤمنين , الذين قاموا بواجبات الإيمان , وجاهدوا في الله , وعادوا المشركين , وولوا المسلمين , فالسكوت عن ذلك متعين , وهذا ما ظهر لي , على أن الاختلاف قريب من جهة المعنى , والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت