ظلموا {فتمسكم النار} أي: فتصيبكم {ومالكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون} [هود: 113] .
فمن هذه الآيات , وما ذكرناه قبلها , من ثواب أهل الاستقامة، وعقاب أهل الركون إلى الذين ظلموا , عرف ما بين أهل الاستقامة وأهل الركون من التفاوت العظيم , كما قال بعض العلماء: وإنما تفاوت الواجبات والمحرمات , بتفاوت المثوبات والعقوبات , فحال الفريقين متفاوتة أبعد تفاوت , لتفاوت ما بين ثواب هؤلاء وعقاب هؤلاء.
ويزداد هذا المقام إيضاحًا , بالتفكر في اثنتين عظيمتين , قال الله: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون , أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاءً بما كانوا يعلمون} [الأحقاف: 13 , 14] نفى عنهم الخوف والحزن , وأخبر أنهم أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون , أي من توحيد الله وطاعته , وامتثال أمره وترك نهيه.
وقال تعالى فيمن سلك غير سبيلهم , بارتكاب ما نهى عنه {ترى كثيرًا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون} [المائدة: 80] فسجل تعالى على من تولى الكافرين , بالمذلة وحلول السخط عليهم , والخلود في العذاب , وأكد ذلك بنوعي التوكيد , ثم ذكر ن هذا الذي وصفهم به , ينافي الإيمان بالله والنبي , وما أنزل إليه؛ ولها نظائر كقوله: {بشر المنافقين بأن لهم عذاب أليمًا , الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين} الآيات [النساء: 138 - 140] .
فما أعظم ثواب أهل الاستقامة , وما أقطع عقاب متولي الكافرين , فكان الجزاء من جنس العمل , وكما تدين تدان؛ فلا إله إلا الله: ما أبين هذا القرآن العظيم , لمن استضاء بنور العلم والإيمان , أفيظن من له أدنى مسكة من عقل: أن هذا التفاوت بهذه الأعمال , وتفاوت ثوابها وعقابها , إنما هو في حق من سلف دون من تأخر وخلف؟ وقد قال تعالى في جنس من خلف {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيًا} الآية [مريم: 59] وقال: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين مالكم كيف تحكمون} الآيتين [القلم: 35 , 36] .
أفيظن مسلم: أن وقع هذا من بعض من تقدم من هذه الأمة , جائز عليهم بكل حال , وأما من تأخر فمن الممتنع المحال؟ هيهات , لقد أحصيت الحسنات والسيئات على الآخر , كما أحصيت