الصفحة 91 من 461

الحسنات والسيئات على الآخر , كما أحصيت على الأول {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات} الآية [الجاثية: 21] .

وقد ذكر شيخ الإسلام: أحمد بن تيمية رحمه الله , في رسالة وقعة التتار , قال: فإن نصوص الكتاب والسنة , الذين هما دعوة محمد - صلى الله عليه وسلم - , يتناولان عموم الخلق , بالعموم اللفظي والمعنوي , أو بالعموم المعني , وعهود الله تعالى في كتابه , وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - تناول آخر هذه الأمة , كما تناولت أولها.

وإنما قص الله علينا قصص الأمم قبلنا , لتكون عبرة لنا , فنشبه حالنا بحالهم , ونقيس أواخر هذه الأمة بأولها , فيكون للمؤمن من المستأخرين , شبه ما كان للمؤمنين من المستقدمين , ويكون للكفار و المنافقين من المستأخرين , شبه بما كان للكافرين والمنافقين من المستقدمين , كما قال: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يفترى} [يوسف: 111] .

وقال لما ذكر قصة فرعون {فأخذه الله نكال الآخرة والأولى - إن في ذلك لعبر لمن يخشى} [النازعات: 25 , 26] . وقال: {قد كان لكم أية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين} إلى قوله: {إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار} [آل عمران: 13] وقال في قصة محاجة بني النضير {فاعتبروا يا أولي الأبصار} [الحشر: 2] فأمرنا: أن نعتبر بأحوال المستقدمين من هذه الأمة , وما قبلها , انتهى.

وقد بعث الله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - إلى جميع الثقلين الجن والإنس , كما قال تعالى: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعلمين نذيرًا} [الفرقان: 1] وقال تعالى: {وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ} [الأنعام: 19] وأنزل الله عليه الكتاب بالحق , ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه , من حين البعثة إلى أن تقوم الساعة , فهو خاتم النبيين , وعلى ملته وشريعته تقوم الساعة , كما ثبت في الحديث الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين , لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم , حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك ) ).

وبهذا يعلم: أن خطاب الله , وأحكام الكتاب والسنة , تتعلق بجميع المكلفين من هذه الأمة , لا يختص به أول عن آخر , وهذا مع ظهور ما في الكتاب والسنة , فهو إجماع في الأمة سلفًا وخلفًا , ولا يرتاب في هذا أحد ممن ينتسب إلى الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت