الصفحة 94 من 461

في هذه الأوراق , ولكن لما كان كلامه يشبه لما ذكره شيخ الإسلام في واقعة التتر , اقتضى أن نذكر كلامه هنا , لقوة المشابهة بين الحادثتين , وما جرى فيهما لما فيها من الفوائد والعبر.

قال رحمه الله: فينبغي للعقلاء , أن يعتبروا بسنة الله وآياته في عباده , ودأب الأمم وعادتهم , لاسيما في مثل هذه الحادثة العظيمة , التي طبق الخافقين خبرها , واستطار في جميع ديار المسلمين شررها , وأطلع النفاق ناصية رأسه , وكشف الكفر فيها عن أنيابه وأضراسه.

وكاد منها عمود الكتاب أن يجتث و يخترم , وحبل الإيمان أن يقطع و يصطلم , وعقر دار المسلمين أن يحل بها البوار , ويزول هذا الدين باستيلاء الفجرة التتار , وظن المنافقون والذين في قلوبهم مرض: أن ما وعدهم الله ورسوله إلا غرورًا وأن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدًا وظنوا ظن السوء وكانوا قومًا بورًا.

وقد نزلت فتنة: تركت الحليم فيها كالحيران , وأنزلت الصاحي منزلة السكران , وتركت الرجل اللبيب لكثرة الوسواس , ليس بالنائم ولا اليقظان , و تناكرت فيها قلوب المعارف والإخوان , حتى بقي للرجل بنفسه شغل عن أن يغيث اللهفان , وميز الله فيها أهل البصائر والإيقان , من الذين في قلوبهم مرض أو نفاق أو ضعف إيمان , ورفع بها أقوامًا إلى الدرجات العالية , كما وضع بها أقوامًا إلى المنازل الهاوية , وكفر عن آخرين , أعمالهم الخاطئة.

وحدث فيها من أنواع البلوى ما جعلها مختصرة من القيامة الكبرى , فإن الناس تفرقوا فيها ما بين شقي وسعيد , كم يتفرقون في ذلك اليوم الموعود , وفر الرجل فيها عن أمه وأخيه , وكان لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه , وكان من الناس: من كان أقصر همته النجاة بنفسه , لا يلوي على ماله , ولا ولده ولا عرسه , وكان منهم من فيه قوة على تخليص الأهل والمال , والآخر فيه زيادة معونة لمن هو منه ببال , وآخر منزلة الشفيع المطاع , وهم درجات عند الله في المنفعة والدفاع.

ولم ينفع المنفعة الخالصة من الشكوى , إلا الإيمان والعمل الصالح , والبر والتقوى , وبليت فيها السرائر , وظهرت فيها الخبايا التي كانت تكنها الضمائر , وتبين أن البهرج من الأقوال , يخون صاحبه أحوج ما كان إليه في المآل , وذم سادته وكبراءه من أطاعهم , فأضلوا السبيلا , كما حمد ربه من صدق في إيمانه , واتخذ مع الرسول سبيلا.

وبان صدق ما جاءت به الآثار النبوية , من الأخبار بما يكون , وواطأها قلوب الذين هم في هذه الأمة محدثون , كما تواطأت عليه المبشرات التي أريها المؤمنون , وتبين فيها الطائفة المنصورة الظاهرة على الدين , الذين لا يضرهم من خذلهم ولا خالفهم إلى يوم القيامة , حتى تحزب الناس ثلاثة أحزاب , مجتهد في نصرة هذا الدين , وآخر غره بالله الغرور , وكان الامتحان تمييزًا من الله وتقسيمًا ليجزي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت