أمر بها الأمير، لأنّ طاعة الأمير واجبةٌ، بل هي من طاعة الله تعالى، و يغلب على الظنّ أن العمليّات الفرديّة غير المنظمة لا تجدي نفعًا، بل تجر المسلمين إلى مفاسد عظيمة في الغالب، لذلك جرى التفريق بين الحالتين.
قلت ُ: جاء اشتراط إذن الأمير عند من أوجَبه في الاقتحام قياسًا على اشتراط ذلك في المبارزة، و لست أذهبُ إليه لتخلّف علّة الاشتراط في عمليّات الاقتحام، و قد أجاد ابن قدامة المقدسي رحمه الله التفريق بين المسألتين فقال بعد أن قرر وجوب إذن الأمير للمبارز: (و لنا أن الإمام أعلم بفرسانه و فرسان العدو و متى برز الإنسان إلى من لا يطيقه كان معرضًا نفسه للهلاك فيَكسِر قلوب المسلمين، فينبغي أن يفوض ذلك إلى الإمام ليختار للمبارزة من يرضاه لها، فيكون أقرب إلى الظفر، و جبر قلوب المسلمين، و كسر قلوب المشركين. فإن قيل: قد أبحتم له أن ينغمس في الكفار و هو سبب لقتله، قلنا: إذا كان مبارزًا تعلقت قلوب الجيش به، و ارتقبوا ظفره، فإن ظفر جَبَرَ قلوبهم، و سرَّهم، و كسر قلوب الكفار، و إن قُتِل كان بالعكس، و المنغمس يطلب الشهادة لا يُتَرقَّبُ منه ظفر و لا مقاومة فافترقا) [المغني، لابن قدامة: 9/ 176] .
و يا لَرَوعة قول الشافعي في كتاب السير [كما في مختصر المزني نقلًا عن الأم، له] في مسألة اشتراط الإمام و إذنه في الغزو: وَإِنْ غَزَتْ طَائِفَةٌ بِغَيْرِ أَمْرِ الإمَامِ كَرِهْتُهُ لِمَا فِي إذْنِ الإمام مِنْ مَعْرِفَتِهِ بِغَزْوِهِمْ وَمَعْرِفَتِهِمْ وَيَاتِيهِ الْخَبَرُ عَنْهُمْ فَيُعِينُهُمْ حَيْثُ يُخَافُ هَلَاكُهُمْ فَيُقْتَلُونَ ضِيعَةً. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) رَحِمَهُ اللَّهُ وَلَا أَعْلَمُ ذَلِكَ يُحَرَّمُ عَلَيْهِمْ وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ الْجَنَّةَ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ الأنصار: إنْ قُتِلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا؟ قَالَ فَلَكَ الْجَنَّةُ قَالَ فَانْغَمَسَ فِي الْعَدُوِّ فَقَتَلُوهُ وَأَلْقَى رَجُلٌ مِنْ الأنصار دِرْعًا كَانَ عَلَيْهِ حِينَ ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجَنَّةَ ثُمَّ انْغَمَسَ فِي الْعَدُوِّ فَقَتَلُوهُ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: فَإِذَا حَلَّ لِلْمُنْفَرِدِ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى مَا الأغلب أَنَّهُمْ يَقْتُلُونَهُ كَانَ هَذَا أَكْثَرَ مِمَّا فِي الانْفِرَادِ مِنْ الرَّجُلِ وَالرِّجَالِ بِغَيْرِ إذْنِ الإمام. وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ وَرَجُلًا مِنْ الأنصار سَرِيَّةً وَحْدَهُمَا وَبَعَثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ سَرِيَّةً وَحْدَهُ فَإِذَا سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَسَرَّى وَاحِدٌ لِيُصِيبَ غِرَّةً وَيَسْلَمَ بِالْحِيلَةِ أَوْ يُقْتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَحُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّ مَا أَوْجَفَ الْمُسْلِمُونَ غَنِيمَةٌ.