الصفحة 20 من 26

و نذكّر من هذا مذهبه بقول علماء الأصول: (لا قياس مع الفارق) ، فكيف يُقاس من طلب الشهادة بتفجير نفسه إيمانًا و احتسابًا في العملية الاستشهادية، و يٌقبل على الله بنفس مطمئنّة فرحة مستبشرة متطلعة للشهادة والجنة و ما عند الله في الآخرة، و نصرة الدين و النكاية بالعدو و الجهاد في سبيله في الدنيا بمن قتل نفسه جزعًا و قنوطًا أو تسخطا على القدر و اعتراضا على المقدور أو استعجالا للموت أو تخلصا من الآلام و العذاب أو يأسا من الشفاء، بنفس خائفة يائسة ساخطة لا يستوون، فقد قال تعالى: (أفنجعل المسلمين كالمجرمين مالكم كيف تحكمون) ، و قال تعالى: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون) .

و أما من قاس العمليّة الاستشهاديّة على الانتحار، و ألحقها به في الحكم؛ بدعوى أنّ من يفجّر نفسه بين عناصر العدو يشبه المنتحر من جهة مباشرته قتل نفسه بيده أو بما يحمله من متفجّرات، لا بيد عدوّه أو سلاحه، فقد أبعَد النجعةَ و أفسدَ القياسَ، لأنّه لم يعِ مراد الأصوليين من تعريف للقياس بقولهم: هو إلحاق فَرعٍ بأصلٍ في الحُكم لعلّةٍ جامعة بينهما، و بالتالي لم يُفرّق بين العلّة و الصفة، فظنّ أنّ كلا الأمرين انتحار، لأنّ فيه مباشرة للقتل، و غاب عليه أنّ العلّة التي دَفَعت المنتحر إلى إزهاق روحه، هي التخلّص من الحياة اعتراضًا على القَدَر، و سخطًا على ما لحقه من قضاء الله و قَدَره، و هذا خلاف ما تقدّم بيانه من دوافع المجاهد لبذل روحه في سبيل الله.

و إذا سلّمنا جَدَلًا أو تنزُّلًا بأنّ العلّة في الانتحار هي مباشرة المنتحر قتل نفسه، فما ظنّكم بمن يعترض سبيل سيارة أو قطار كما هو الشائع عند المنتحرين في الغرب اليوم، ألا يُعدُّ منتحرًا رغم أنّه لم يحمل أداة القتل بيده، و لم يباشر قتل نفسه بِسُمٍّ تَحَسَّاهُ، أو حَدِيدَةٍ تَوَجَّأَ بِهَا فِي بَطْنِهِ، و ما تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت