الصفحة 22 من 26

و يترتّب على هذه العمليّات إرهاب العدو و إرعابه، و هذا مقصدٌ شرعي، قال تعالى: (سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ) و قال سبحانه: (فإما تثقفنّهم في الحرب فشرِّد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون) [الأنفال: 57] .

و روى البخاري و غيره عن جابر بن عبد الله أنّ رسول الله صلى الله عليه و سلّم قال: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ» ، و لا أبلغ في إيقاع الرعب في صفوف العدو من الإقدام على الموت بطمأنينةِ من باع نفسه لله.

و كفى مثالًا على جدوى العمليّات الاستشهاديّة و بالغِ أثَرِها في العصر الحديث، أنّها أرغمت أنوف القادةِ الروس على إنهاء حربهم الأولى على الشيشان قبل عِدّة سنوات، و أتت بهم صاغرين إلى التفاوض مع المجاهدين. و قد تمخّضت المفاوضات يومئذٍ عن هدنة السنوات الخمس، التي ردّت الروس على أدبارهم، و قَلَبتهم على أعقابهم، لا يلوون على شيء، و لا يتطلّعون إلى أكثر من حقن دماء من تبقّى من جهودهم، بعد أن دبّ الرُّعب في صفوفهم، و فرّق الذعر رأيهم، و أطاش رَميَهم.

و لا يمنع من ذلك ما يراه الناظر بعينٍ واحدة، من همجيّة الرد، و عنجهيّة العدو، فإنّ هذه سنّة الله في عباده، و لنا العزاء في قوله تعالى: (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ و تِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) [آل عمران: 140] و قوله سبحانه: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) [آل عمران: 173] ، و قوله جلّ شأنه: (إِنْ تَكُونُوا تَالَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَالَمُونَ كَمَا تَالَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ) [النساء: 104] .

و نحن نعذر من لم يرَ في العمليّات الاستشهاديّة جدوى، و لم يُعلّق عليها أملًا و إن كان صغيرًا، لأن الثمرة اليانعة التي رآها المجاهدون عَيانًا في عمليّاتهم، قد تكون خافيّةً على غيرهم، و خاصّة أولئك الذين قعدوا مع القاعدين، لأنّ (الخفاء و الظهور من الأمور النسبيّة، فربّما ظهر لِبَعض الناس ما حفي على غَيرِه، و يَظهَر للإنسان الواحد في حالٍ ما خَفيَ عليه في حالٍ أخرى، و أيضًا فالمقدّمات و إن كانت خفيّةً فقد فقد يُسلّمها بعض الناس، و

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت