فهرس الكتاب
قال الصنعاني: (فذكر الحديث) هكذا في نسخ بلوغ المرام بإفراد"ذكر"وكأن الظاهر"فذكرا"بضمير التثنية ليعود إلى المسور ومروان وكأنه أراد فذكر أي الراوي.
الحديث دليل على جواز المهادنة بين المسلمين وأعدائهم من المشركين مدة معلومة لمصلحة يراها الإمام وإن كره ذلك أصحابه ولا يجوز مهادنتهم مطلقا لما فيه من تعطيل الجهاد وهذا عقد باطل , فإنه ذكر في المهادنة ما يفيده الحديث الآتي وهو قوله:
55 -وَأَخْرُجَ مُسْلِمٍ بَعْضِهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ, وَفِيهِ: (أَنَّ مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ لَمْ نَرُدْهُ عَلَيْكُمْ, وَمَنْ جَاءَكُمْ مِنَّا رَدَدْتُمُوهُ عَلَيْنَا. فَقَالُوا: أَنَكْتُبُ هَذَا يَا رَسُولُ اَللَّهُ? قَالَ:"نَعَمْ. إِنَّهُ مِنْ ذَهَبٍ مِنَّا إِلَيْهِمْ فَأَبْعَدَهُ اَللَّهُ, وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ, فَسَيَجْعَلُ اَللَّهُ لَهُ فَرَجًا وَمُخْرِجًا" [1] .
المراد من جاء من المسلمين إلى كفار مكة لم يردوه إلى رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ومن جاء من أهل مكة إليه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ردّه إليهم فكره المسلمون ذلك (فقالوا: أنكتب هذا يا رسول الله؟ قال:"نعم إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله ومن جاءَنا منهم فسيجعل الله له فرجًا ومخرجًا".
فإنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كتب هذا الشرط مع ما فيه من كراهة أصحابه له. وقد ساقه ابن القيم في زاد المعاد وذكر فيه كثيرًا من الفوائد.
وفيه أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم رد إليهم أبا جندل بن سهيل وقد جاء مسلمًا قبل تمام كتاب الصلح، وأنه بعد رده إليهم جعل الله له فرجًا ومخرجًا، ففر من المشركين ثم أقام بمحل على طريقهم يقطعها عليهم وانضاف إليه جماعة من المسلمين حتى ضيق على أهل مكة مسالكهم. والقصة مبسوطة في كتب السير.
وقد ثبت أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لم يردّ النساء الخارجات إليه، فقيل لأن الصلح وقع في حق الرجال دون النساء، وأرادت قريش تعميم ذلك في الفريقين، فإنها لما خرجت أم كلثوم بنت أبي معيط مهاجرة طلب المشركون رجوعها فمنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك، وأنزل الله تعالى الآية فيها: {فلا ترجعوهن إلى الكفار} . قال الصنعاني: والحديث دليل على جواز الصلح على رد من وصل إلينا من العدو كما فعله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى أن لا يردّوا من وصل منا إليهم. وذكر ابن قدامه المقدسي -رحمه الله- أن رد الرجال مع عدم الحاجة من الشروط الفاسدة فقال في (شرح الكبير) 10/ 380: أو رد الرجال مع عدم الحاجة إليه .... فهذه كلها شروط فاسدة إلى أن قال .. ولا يجوز الوفاء بشيء من هذه الشروط"ا. هـ (يقصد المسلم الذي عند الكافر صاحب الهدنة وليس المسلم الذي عند المسلمين ويسلم إلى الكفار فهذه ردَّه) ."
قلت: والظاهر أن ذلك خاص بالرسول صلى الله عليه وسلم إذ أنه قال (ومن خرج منهم سيجعل الله له فرجًا ومخرجًا) كما ذهب إلى هذا القرطبي (8/ 39) وأبو داود وغيرهما.
56 -وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرِو ٍ; [2] عَنْ اَلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مِنْ قَتْلِ مُعَاهِدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ اَلْجَنَّةِ, وَإِنَّ رِيحَهَا لِيُوجَدَ مِنْ"
(1) - صحيح. رواه مسلم (1784) .
(2) - تحرف في"أ"إلى"عمر".