فهرس الكتاب
سادسًا: شرح ابن القيم - رحمه الله- لهذه الشروط في كلام نفيس جدًا. وقد اخترت بعض الشرح.
فقال رحمه الله 2/ 160"فصل: قولهم"ولا نرغِّب في ديننا ولا ندعو إليه أحدًا""
هذا من أولى الأشياء أن ينتقض العهد به فإنه حراب الله ورسوله باللسان وقد يكون أعظم من الحراب باليد. كما أن الدعوة إلى الله ورسوله جهاد بالقلب وباللسان. وقد يكون أفضل من الجهاد باليد. ولما كانت الدعوة إلى الباطل مستلزمة - ولابد - للطعن في الحق كان دعاؤهم إلى دينهم وترغيبهم فيه طعنًا في دين الإسلام وقد قال تعالى (( وإن نقضوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر ) )ولا ريب أن الطعن في الدين أعظم من الطعن بالرمح والسيف. فأولى ما انتقض به العهد الطعن في الدين ولو لم يكن مشروطًا عليهم فالشرط ما زاده إلا تأكيدًا وقوة"ا. هـ وهذا بالضبط ما تقوم به شركات النصارى ومؤسساتهم وهيئاتهم من التنصير للمسلمين."
وقال 2/ 164"فصل قولهم"وألا نمنع أحدًا من أقربائنا أراد الدخول في الإسلام""
فهذا أيضًا يقتضي انتقاض عهدهم به فإنه مشروط عليهم وهو أيضًا محاربة لله ورسوله بالمنع من الدخول في دينه فالأول دعاء إلى الدخول في الكفر وترغيب فيه وهذا منع لمن أراد الانتقال منه والعدول عنه"ا. هـ."
فكيف بهم كما في مصر وغيرها من قتلهم وتعذيبهم للقسيسين إذا دخلوا الإسلام.
وقال 2/ 165"فصل: وقولهم"وأن نلزم زينا حيثما كنا وألا نتشبه بالمسلمين في لبس قلنسوة ولا عمامة ولا فرق الشعر ولا في مراكبهم""
هذا أصل الغيار وهو سنة سنها من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع سنته وجرى عليها الأئمة بعده في كل عصر ومصر. وقد تقدمت بها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو القاسم الطبري في سياق ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم مما يدل على وجوب استعمال الغيار لأهل الملل الذين خالفوا شريعته. صغارًا وذلًا وشهرة وعَلَما عليهم ليعرفوا من المسلمين في زيهم ولباسهم ولا يتشبهوا بهم. وكتب عمر إلى الأمصار أن تجز نواصيهم وألا يلبسوا لبسة المسلمين حتى يعرفوا. وعن عمر بن عبد العزيز مثله. قال: وهذا مذهب التابعين وأصحاب المقالات من الفقهاء المتقدمين والمتأخرين. ثم ساق من طريق العرياني: حديث عبد الرحمن بن ثابت عن حسان بن عطية عن أبي منيب الجرشي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله لا يشرك به وجعل الذل والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم"رواه الإمام أحمد في مسنده. قال أبو القاسم. هذا أحسن حديث روي في الغيار وأشبه بمعناه وأوجه في استعماله لما ينطق بمعناه ومفهومه بما يقتضي فحواه من قوله"وجعل الذل والصغار على من خالف أمري"فأهل الذمة أعظم خلافًا لأمره وأعصاه لقوله، فهم أهل أن يذلوا بالتغيير عن زي المسلمين الذين أعزهم الله بطاعته وطاعة رسوله من الذين عصوا الله ورسوله فأذلهم وصغرهم وحقرهم حتى تكون سمة الهوان عليهم فيعرفوا بزيهم. ودلالته ظاهرة في وجوب استعمال الغيار على أهل الذمة في قوله صلى الله عليه وسلم"من تشبه بقوم فهو منهم"ومعناه إن شاء الله أن المسلم يتشبه بالمسلم في زيه فيعرف أنه مسلم والكافر يتشبه بزي الكافر فيعلم أنه كافر فيجب أن يجبر الكافر