فهرس الكتاب
("لا نَفَلَ") ) المراد بالنفل هو ما يزيده الإمام لأحد الغانمين على نصيبه. وقد اتفق العلماء على جوازه، واختلفوا هل يكون من أصل الغنيمة أو من الخمس؟ وحديث معن هذا ليس فيه دليل على أحد الأمرين. بل غاية ما دل عليه أنها تخمس الغنيمة قبل التنفيل منها. وتقدم ما قاله الخطابي من أن أكثر الأخبار دالة على أن التنفيل من أصل الغنيمة.
واختلفوا في مقدار التنفيل فقال بعضهم: لا يجوز أن ينفل أكثر من الثلث أو من الربع كما يدل عليه قوله:
34 -وَعَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةٍ - رضي الله عنه - قَالَ: شَهِدْتُ رَسُولُ اَللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَفَّلَ اَلرُّبْعَ فِي اَلْبَدْأَةِ, وَالثُّلُثَ فِي اَلرَّجْعَةِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ, وَصَحَّحَهُ ابْنُ اَلْجَارُودِ, وَابْنُ حِبَّانَ, وَالْحَاكِمُ [1] .
قال الصنعاني: حبيب بن مسلمة رضي الله عنه وهو عبد الرحمن بن حبيب بن مسلمة القرشي الفهري وكان يقال له حبيب الروم لكثرة مجاهدته لهم [2] . ولاه عمر أعمال الجزيرة وضم إليه أرمينية وأذربيجان، وكان فاضلًا مجاب الدعوة. مات بالشام أو بأرمينية سنة اثنتين وأربعين.
دل الحديث أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لم يجاوز الثلث في التنفيل، وقال آخرون: للإمام أن ينفل السرية جميع ما غنمت لقوله تعالى: {قل الأنفال لله والرسول} ففوضها إليه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، والحديث لا دليل فيه على أنه لا ينفل أكثر من الثلث.
واعلم أنه اختلف في تفسير الحديث، فقال الخطابي رواية عن ابن المنذر: إنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فرَّق بين البدأة والقفول حين فضل إحدى العطيتين على الأخرى لقوة الظهر عند دخولهم وضعفه عند خروجهم، ولأنهم وهم داخلون أنشط وأشهى للسير والإمعان في بلاد العدو وأجم وهم عند القفول لضعف دوابهم وأبدانهم، وهم أشهى للرجوع إلى أوطانهم وأهاليهم لطول عهدهم بهم وحبهم للرجوع، فيرى أنه زادهم في القفول لهذه العلة والله سبحانه وتعالى أعلم.
قال الخطابي بعد نقله كلام ابن المنذر: هذا ليس بالبين لأن فحواه يوهم أن الرجعة هي القفول إلى أوطانهم وليس هو معنى الحديث، والبدأة إنما هي ابتداء السفر للغزو إذا نهضت سرية من جملة العسكر فإذا وقعت بطائفة من العدو فما غنموا كان لهم فيه الربع ويشركهم سائر العسكر في ثلاثة أرباعه، فإن قفلوا من الغزوة ثم رجعوا فأوقعوا بالعدو ثانية كان لهم مما غنموا الثلث لأن نهوضهم بعد القفول أشدّ لكون العدو على حذر وحزم. انتهى، وما قاله هو الأقرب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وَكَانَ يُنَفِّلُ السِّرِّيَّةَ فِي الْبِدَايَةِ الرُّبُعَ بَعْدَ الْخُمُسِ وَفِي الرَّجْعَةِ الثُّلُثُ بَعْدَ الْخُمُسِ. وَهَذَا النَّفْلُ ; قَالَ الْعُلَمَاءُ: إنَّهُ يَكُونُ مِنْ الْخُمُسِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ يَكُونُ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ ; لِئَلَّا يُفَضِّلَ بَعْضَ الْغَانِمِينَ عَلَى بَعْضٍ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ مِنْ أَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَفْضِيلُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ لِمَصْلَحَةِ
(1) - صحيح. رواه أبو داود (2750) وابن الجارود (1079) ، وابن حبان (4815) ، والحاكم (2/ 133) من طريق مكحول قال: كنت عبدًا بمصر لامرأة من بني هذيل فأعتقتني، فما خرجت من مصر وبها علم إلا حويت عليه فيما أرى، ثم أتيت الحجاز فما خرجت منها وبها علم إلا حويت عليه فيما أرى، ثم أتيت العراق فما خرجت منها وبها علم إلا حويت عليه فيما أرى، ثم أتيت الشام فغربلتها، كل ذلك أسأل عن النفل، فلم أجد أحدا يخبرني فيه بشيء، حتى أتيت شيخًا يقال له: زياد بن جارية التميمي. فقلت له: هل سمعت في النفل شيئًا؟ قال: نعم. سمعت حبيب بن مسلمة الفهري، به. والسياق لأبي داود.
(2) فهذا من العلماء والرواة للحديث يكثر الغزو ومثله شيخ البخاري أحمد السامرائي الحافظ يقول قتلت بيدي هذه ألف تركي وعالم آخر سمي بالقصاب لكثرة قصبه للروم ولا ننسى عبدالله بن المبارك وغيرهم كثير