فهرس الكتاب
وعلى هذا جمهور العلماء وحملوه على أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أمضى ما وقع منها، وأنه قد انعقد أمانها لأنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم سماها مجيرة، ولأنها داخلة في عموم المسلمين في الحديث على ما يقوله بعض أئمة الأصول أو من باب التغليب.
وخالف جماعة من أصحاب مالك فقالوا: لا يصح أمان المرأة إلا بإذن الإمام، وذلك لأنهم حملوا قوله صلى الله عليه وآله وسلم لأم هانىء"قد أجرنا من أجرت"على أنه إجازة منه، قالوا: فلو لم يجزها لم يصح أمانه , قلت: وكذلك لو لم يجز الرجال لم يصح أمانهم حينئذ , فدل أن قول الجمهور هو الموافق للأدلة.
44 -وَعَنْ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اَللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"لَأَخْرِجَنَّ اَلْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ اَلْعَرَبِ, حَتَّى لَا أَدَعَ إِلَّا مُسْلِمًا"رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [1] .
وأخرجه أحمد بزيادة"لئن عشت إلى قابل", قال النووي: لأنه صلى الله عليه وسلم كان عازما على إخراج الكفار من جزيرة العرب، كما أمر به في آخر عمره.
وأخرج الشيخان من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أوصى عند موته بثلاث: منها"أخرجوا المشركين من جزيرة العرب"
وأخرج البيهقي من حديث مالك عن ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:"لا يجتمع دينان في جزيرة العرب".
قال مالك: قال ابن شهاب: ففحص عمر عن ذلك حتى أتاه الثلج واليقين عن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أنه قال:"لا يجتمع دينان في جزيرة العرب فأجلى يهود خيبر"قال مالك: وقد أجلى يهود نجران وفدك أيضًا.
والحديث دليل على وجوب إخراج اليهود والنصارى والمجوس من جزيرة العرب لعموم قوله:"لا يجتمع دينان في جزيرة العرب"وهو عام لكل دين، والمجوس بخصوصهم حكمهم حكم أهل الكتاب كما عرفت.
وأما حقيقة جزيرة العرب، فقال مجد الدين في القاموس: جزيرة العرب ما أحاط به بحر الهند وبحر الشام ثم دجلة والفرات، أو ما بين عدن أَبْين إلى أطراف الشام طولًا، ومن جدّة إلى أطراف ريف العراق عرضًا؛ انتهى , وأضيفت إلى العرب لأنها كانت أوطانهم قبل الإسلام وأوطان أسلافهم وهي تحت أيديهم.
وبما تضمنته الأحاديث من وجوب إخراج من له دين غير الإسلام من جزيرة العرب قال مالك والشافعي وغيرهما.
قال الشيخ الإمام /حمود بن عقلاء الشعيبي - رحمه الله- في كتابه (القول المختار في حكم الاستعانة بالكفار) :
"وأما حدودها [أي جزيرة العرب] فقد اتفق المؤرخون والجغرافيون تقريبًا على حدودها الثلاثة الغربي والجنوبي والشرقي واختلفوا في الحد الشمالي اختلافًا يقرب من أن يكون لفظيًا. والذي يتلخص من كلام المؤرخين والجغرافيين في تحديد الجزيرة أنها تحد من الغرب ببحر القلزم المعروف بالبحر الأحمر ومن الجنوب بالبحر العربي ومن الشرق بالخليج العربي [خليج البصرة] ومن الشمال ببادية الشام."
قال شيخ الإسلام (جزيرة العرب التي هي من بحر القلزم إلى بحر البصرة ومن أقصى حجر اليمامة إلى أوائل الشام. بحيث كانت تدخل اليمن في دارهم ولا تدخل فيها الشام وفي هذه الأرض كانت العرب حين البعث وقبله) (اقتضاء الصراط المستقيم) .
(1) - صحيح. رواه مسلم (1767) .