الصفحة 96 من 132

عن المغيرة في حديث طويل مع فارس وقال فيه:"فأمرنا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدّوا الجزية"وكان أهل فارس مجوسًا.

فدلت هذه الأحاديث على أخذ الجزية من المجوس عمومًا ومن أهل هجر خصوصًا، كما دلت الآية على أخذها من أهل الكتاب اليهود والنصارى. قال الخطابي: وفي امتناع عمر رضي الله عنه من أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخذها من مجوس هجر؛ دليل على أن رأي الصحابة أن لا تؤخذ الجزية من كل مشرك كما ذهب إليه الأوزاعي وإنما تقبل من أهل الكتاب.

وقد اختلف العلماء في المعنى الذي من أجله أخذت الجزية منهم. فذهب الشافعي في أغلب قوليه: إلى أنها إنما قبلت منهم لأنهم من أهل الكتاب وروي ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

وقال أكثر أهل العلم: إنهم ليسوا من أهل الكتاب، وإنما أخذت الجزية من اليهود والنصارى بالكتاب ومن المجوس بالسنّة انتهى.

قلت: قدّمنا لك أن الحق أخذ الجزية من كل مشرك كما دل له حديث بريدة، ولا يخفى أن في قوله:"سنوا بهم سنّة أهل الكتاب"ما يشعر بأنهم ليسوا بأهل الكتاب. ويدل لما قدمناه قوله:

50 -وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ, عَنْ أَنَسٍ, وَعَن [1] عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ; أَنَّ اَلنَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعْثٍ خَالِدُ بْنُ اَلْوَلِيدِ إِلَى أُكَيْدِرِ دُومَةَ, فَأَخَذُوهُ , [2] فَحَقَنَ دَمِهِ, وَصَالَحَهُ عَلَى اَلْجِزْيَةِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد َ [3] .

هو أبو عمرو عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه العدوى القرشي. ولد قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسنتين وكان وسيمًا جسيمًا خيرًا فاضلًا شاعرًا مات سنة سبعين قبل موت أخيه عبد الله بأربع سنين؛ وهو جد عمر بن عبد العزيز لأمه روى عنه أبو أمامة ابن سهل بن حنيف وعروة بن الزبير (عن أنس) أي ابن مالك (وعن عثمان بن أبي سليمان رضي الله عنه) أي ابن جبير بن مطعم القرشي المكيّ، سمع أبا سلمة بن عبد الرحمن وعامر بن عبد الله بن الزبير وغيرهم (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر) , ودومة الجندل اسم محل.

قال الخطابي: أكيدر دومة: رجل من العرب يقال: إنه من غسان. ففي هذا دليل على أخذ الجزية من العرب كجوازه من العجم انتهى. قلت: فهو من أدلة ما قدمناه.

وكان صلى الله عليه وآله وسلم بعث خالدًا من تبوك والنبي صلى الله عليه وآله وسلم بها في آخر غزاة غزاها وقال لخالد"إنك تجده يصيد البقر"فمضى خالد حتى إذا كان من حصنه بمبصر العين في ليلة مقمرة أقام وجاءت بقر الوحش حتى حكت قرونها بباب القصر فخرج إليها أكيدر في جماعة من خاصته، فتلقتهم جند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخذوا أكيدر وقتلوا أخاه حسان فحقن رسول الله دمه وكان نصرانيًا، واستلب خالد من حسان قباء ديباج مخوّصًا بالذهب، وبعث به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأجار خالد أكيدرًا من القتل حتى يأتي به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أن يفتح له دومة الجندل، ففعل، وصالحه على ألفي بعير وثمانمائة رأس

(1) - سقط"عن"من"أ".

(2) - وفي"أ":"فأخذه"، والذي في"السنن":"فأخذه، فأتوه به".

(3) - حسن. رواه أبو داود (3037) ، والبيهقي (9/ 187) مطولا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت