الصفحة 64 من 65

ضر نزل به؟.

جاء في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه، فإن كان ولا بد فاعلًا، فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي) .

وروى البخاري أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يتمنين أحدكم الموت، إما محسنًا فلعله يزداد، وإما مسيئًا فلعله يستعتب) .

كل هذه النصوص التي وردت بحرمة قتل النفس أو تمني الموت علقت بسبب الضر أو الجزع أو عدم الصبر وكل ذلك حرصًا على الدنيا، وليس لأجل مصلحة الدين وإعلاء كلمة الله، فعموم هذه الأدلة لا تصلح لأن تجرى على من اقتحم على العدو وحده وكان سببًا رئيسيًا بقتل نفسه، لأن الأدلة التي تجيز الانغماس في العدو حاسرًا مع تيقن الموت و سقناها في أول البحث تخرج من ابتغى وجه الله وأراد الآخرة وقصد إعلاء كلمة الله من عموم نصوص النهي عن قتل النفس ففرق بين المنتحر للدنيا ومن غمس يده في العدو لإعلاء كلمة الدين مع تيقن الموت.

لذا هل يقال عمن قتل نفسه لإعلاء كلمة الله ونكاية في أعداء الله وإرهابًا لهم بنية خالصة فهل من العدل أن يقال عنه أنه منتحر؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.

ولقد سقنا هذا الفصل لما رأينا أن أعظم سبب توقف من أجله الممتنعون عن القول بجواز العمليات الاستشهادية هو أن منفذ العملية الاستشهادية يقتل نفسه بالمباشرة، ويتبين ضعف هذا المانع إذا عرفنا مناط تحريم قتل النفس أو تمني الموت.

فنقول إن الله سبحانه وتعالى حينما حرم قتل النفس كان ذلك التحريم لأن قتل النفس هو نتيجة للجزع وعدم الصبر على البلاء وإيثار الحياة الدنيا على الآخرة، وكل هذا ناتج عن انتفاء الإيمان أو نقصه، ومنفذ العملية الاستشهادية عندما قتل نفسه هل قتلها من أجل هذه الدوافع؟ بالطبع لا، بل إن ذلك منتف عنه، ولم يقدم على ما أقدم عليه إلا لقوة إيمانه بالغيب وليقينه بما عند الله ولحبه لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولدينه، ومما يدل على أن مناط تحريم قتل النفس ليس لذاته بل لما يسبقه من عدم إيمان بالقدر أو لنقصه، فعل الغلام (الدليل 4) فهو قاتل لنفسه وقد أثنى الشارع عليه لأنه لم يقدم على ذلك إلا رغبة بما عند الله ونصرًا لدينه، وهذا لا يصدر ممن لم يؤمن بالله، وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن تمني الموت لضر نزل بالعبد وقد تمنى هو الموت في سبيل الله ثلاثًا، فجاز ذلك لأنه ما تمناه إلا مع كمال الإيمان، وكذلك ما روي في الصحيحين عن أبي هريرة أن الرجل في آخر الزمان يمر على القبر فيقول يا ليتني

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت