فهرس الكتاب
ما جاء في السير الكبير وشرحه في باب ما يجب من طاعة الوالي وما لا يجب قال: [وإذا دخل العسكر دار الحرب للقتال بتوفيق الله عز و جل فأمرهم أميرهم بشيء من أمر الحرب فإن كان فيما أمرهم به منفعة لهم، فعليهم أن يطيعوه لقوله تعالى: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم. والمراد: الأمراء عند بعض المفسرين، والعلماء عند بعضهم، وإنما تجب طاعة العلماء فيما يأمرون به لأنهم يأمرونهم بما فيه منفعة للناس في أمر دينهم.
وكذلك إن أمروهم بشيء لا يدرون أينتفعون به أم لا، فعليهم أن يطيعوه، لأن فرضية الطاعة ثابتة بنص مقطوع به، وما تردد لهم من الرأي في أن ما أمر به منتفع أو غير منتفع به لا يصلح معارضًا للنص المقطوع، وقد تكون طاعة الأمير في الكف عن القتال خيرًا من كثير من القتال، وقد يكون الظاهر الذي يعتمده الجند يدلهم على شيء، والأمر في الحقيقة بخلاف ذلك عند الأمير، ولا يرى الصواب في أن يطلع على ما هو الحقيقة عامة الجند، فلهذا كان عليهم الطاعة ما لم يأمرهم بأمر يخافون فيه الهلكة وعلى ذلك أكثر رأي جماعتهم، لا يشكون في ذلك، فإذا كان هكذا فلا طاعة له عليهم لقوله صلى الله عليه وسلم: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. - إلى أن قال - ثم أكبر الرأي فيما لا يمكن الوقوف على حقيقته بمنزلة الحقيقة. فإذا كان عندهم أنهم لو أطاعوه هلكوا، كان أمره إياهم بذلك قصدًا منه إهلاكهم واستخفافًا بهم، وقد ذم الله تعالى الطاعة في ذلك فقال: {فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قومًا فاسقين} الزخرف: 54
وإن كان الناس في ذلك مختلفين فمنهم من يقول: فيه الهلكة، ومنهم من يقول: فيه النجاة، فليطيعوا الأمير في ذلك، لأن الاجتهاد لا يعارض النص، ولأن الامتناع من الطاعة فتح لسان اللائمة عليهم، وفي إظهار الطاعة قطع ذلك عنهم