العدة. وقد دلَّ على ذلك سنة رسولِ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصحيحة في فاطمة بنت قيس حيث قال لها:"ليس لكِ سكنى ولا نفقة" (1) . ولم يعارِضْ ذلك أحدٌ بمعارضةِ صحيحة، فإنّ القرآن لا يخالف ذلك بل يوافقه، فإنّ الله قال: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) (2) ، والضمير عائد على ما تقدم، وهي الرجعية. وما ذكره في الحامل والمرضع فبيّن فيه أن النفقة حينئذ لأجل الحمل، لا لأجل النكاح، ولهذا قال: (حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) ، فهذا ذكره لغاية نفقة الحمل، وإلاّ فقد بين عدة الحامل بقوله (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) (3) ، وقوله بعد ذلك: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) (4) . وقد ثبت بالإجماع أن أجرة الرضاع نفقة الولد، وهي تجب للنسب لا للنكاح، فدل ذلك على أن نفقة الحامل لذلك.
ولهذا كان أصح القولين أن نفقة الحامل تجب للحمل (5) ، وحكمُها حكمُ نفقة الولد التي تجب على والده، وهذا مذهب مالك وأحمد في أظهر الروايتين عنه، والشافعي في أحد قولَيْه، ومن قال: إنها تجب للزوجة من أجل الحمل، فكلامه متناقض لا يُعقَل.
الخامس: أنه قال (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا(1 ) ) ، وهو كما قال غيرُ واحدِ من الصحابة، فأيّ أمرِ يحدث بعد الثلاث، فإن
(1) أخرجه مسلم (1480) من طرقٍ عن فاطمة.
(2) سورة الطلاق: 6.
(3) سورة الطلاق: 4.
(4) الآية 6.
(5) انظر"مجموع الفتاوى" (34/ 72 - 75، 105 - 106) .