جهل حالهم؟ سبحانك ربي سبحانك، فإنه من المعلوم ضرورة أنه من جهلت حالتهم لا يقبل خبرهم سواء كانوا أربعة أو أكثر أو أقل، فالقضية ليست منوطة بعدد معين، بل في النظر بحال الناقل، فإن كان الناقل ثقة قبل خبره، وإن كان الناقل غير ثقة ردت روايته، ولا عبرة في العدد، ومن قال بخلاف ذلك فليأتنا بسلطان مبين.
وأما القول؛ بأن العدد إذا زاد عن أربعة أمن تواطؤهم على الكذب.
فأقول: هذا محض جهل، فقد اجتمع الكافرون على تكذيب الرسل، وهذه قضية لا ينتطح بها كبشان، وعليه فالعبرة بحالة الناقلين لا بعددهم.
خامسًا: إن الأدلة الشرعية جاءت على خلاف زعمهم:
فقد دلت النصوص على قبول شهادة الواحد إن كان ثقة في العقيدة والأحكام، قال تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) ، ولفظ طائفة يقع على الواحد والجماعة، والإنذار يشمل ما أنزل الله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عقيدة وأحكامًا والتفريق بينهما يحتاج إلى دليل نصي.
وكذلك قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) ، دليل واضح على أن الناقل إن كان ثقة لا يتثبت من روايته.
ومن باب آخر؛ فقد تواتر النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يبعث الآحاد إلى البلدان من أجل تبليغهم الدين ودعوتهم إليه، ومن المعلوم أنهم كانوا يدعونهم إلى اعتناق الإسلام التي تقوم العقيدة عليه، ولو كانت العقيدة لا تثبت بهذا النقل، لما اكتفى صلى الله عليه وسلم بإرسال الآحاد، ولكان يرسل الجماعات التي لا يقل عددها عن خمسة كي تتحقق المصلحة وتقوم الحجة، وعدم ثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، لدليل واضح على عدم إرادته، وخطأ القائلين به.
وأما تعليل تقي الدين النبهاني في عدم قبول خبر الواحد في العقيدة دون الأحكام، كما جاء ذلك عنه في كتاب"الشخصية" [ص 148، ج3 / الطبعة الثانية] : (لا يقال إن قبول تبليغ خبر الآحاد قبول عقيدة لأن تبليغ الإسلام قبول خبر وليس قبولًا لعقيدة، بدليل أن على المبلغ أن يعمل عقله فيما بلغه، فإذا قام الدليل اليقيني عليه اعتقده وحوسب على