وعِنْدَ بَعْضِهِم يُقْتَلُ الجَريحُ الذِي يَعْجزُ المُقاتِلُونَ مِنْهُمْ عَنْ حَمْلِهِ إذا خُشِيَ مِن وقُوعِهِ أسيرًا في يَدِ العَدُوِّ!، ولَيْسَ ذلكَ جائزًا فِي الإسلامِ.
ورُبَّما غَرَّرَ بَعْضُهُمْ بِرَجُلٍ مِن العامَّةِ فَحَمَّلَهُ أمانَةً يُوصِلُها إِلَى مَكانٍ يُعَيِّنُهُ؛ فإذا صارَ إلَيْهِ قَتَلَهُ وقَتَلَ مَعَهُ مَن فِي ذلكَ المَكانِ!!، وهُوَ حَرامٌ في الشرْعِ المُطَهر، ولَو صَنَعُهُ رَجُلٌ بَمَعْصُومِ الدَّمِ وجَبَ فِيهِ القَتْلُ قِصاصًا.
فَهذا ومِثْلُهُ كَثيرٌ مُتَناثِرٌ فِي تلكَ الكُتُب، والمُتَعَيِّنُ الحَذرُ مِنْه، فإنَّ إطْلاقَ اليَدِ فِيما حَرَّمَهُ اللهُ تعالَى مِن أَعْظَمِ أَسْبابِ الهَزِيمَةِ وذَهابِ الشَّوكِةِ وتَسلُّطِ العَدُو؛ فَكَيْفَ يَتَهاوَنُ مَنْ يُجاهِدُ لإعْلاءِ كَلِمَةِ اللهِ ويَرْتَجِي نَصْرَهُ فِي ذَلِكَ؟!.
واعْلَمْ أنَّ العادَةَ والتَّجْرِبَةَ قَدْ دَلاَّ عَلَى أَنَّ مَنِ امْتَهَنَ عَمَلًا أثَّرَ فِي خُلُقِهِ وطَبْعِهِ!، بَلْ فِي الحَدِيثِ إشارَةٌ إلَى هذا؛ وهُو في قَوْلِ النبِيِّ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ: (السَّكِينَةُ فِى أَهْلِ الْغَنَمِ؛ وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلاَءُ فِى الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ قِبَلَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ) رواهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ وغَيْرُهما مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وانْظُرْ فِي خُلُقِ الحَدادِ وما فِيهِ مِن الشدَّةِ!؛ وفِي خُلُقِ الجَزَّارِ وما فِيهِ مِن الغِلْظَةِ!؛ وفِي خُلُقِ الزارِعِ وما فِيهِ مِن الرِّقَّةِ!؛ وفِي خُلُقِ المُعَلِّمِ وما فِيهِ مِن الصَّبْرِ واحْتِمالِ الأذى!؛ ونَحْوِ هذا يَلُحْ لكَ ما ذكَرْناه، وعَلَى هذا المِنْوَالِ مُخالَطَةُ السِّلاح!!، فِإنِّها تُكْسِبُ المَرْءَ قَسْوَةً فِي الطباعِ وَشراسَةً فِي الخُلُق، إلاَّ أنْ يُصاحِبَها ما يَقُومُ بِها عَلَى جادَّةِ الوَسَطِ والاعْتِدال، وهذا هُوَ الذي جاءَ بِهِ الشرْعُ المُطَهَّرُ الذِي هُوَ وَسَطٌ فِي كلِّ شَيءٍ، وبِهِ تَعْلَمُ بَعْضَ وجُوهِ الحِكْمَةِ مِن الأمْرِ بالإكْثارِ من ذكْرِ اللهِ تعالَى فِي مَواطِنِ اللقاء، لأَنَّ الذكْرَ يَحصُلُ بِهِ فَوقَ ثَباتِ القلبِ رِقَّتُهُ وَخُشُوعُهُ؛ فَيُقابِلُ هَذا ما فِي مُخالَطَةِ السلاحِ من القَسْوَةِ فِيَحْصُلُ المَطْلُوب، ولِهَذا المَعْنَى أَيْضًا وَرَدَ فِي الشرْعِ كَثِيرٌ مِن الضوابِطِ التي تَكْبَحُ جِماحَ النَّفْسِ وتَرْدَعُها عَنِ العُدْوان؛ كالنَّهْيِ عَنْ قَتْلِ مَنْ لا مَصْلَحَةَ فِي قَتْلِهِ من الشيُوخِ والنساءِ والأطفال والرهبانِ وأصحابِ الصوامِعِ المنْقَطِعِينَ للعبادَةِ ونَحْوِهِم؛ إلا أنْ يَكُونَ فِيهِم صاحِبُ رَايٍ ومشورَةٍ في الحَرْب أوْ مَن يُباشِرُ القِتالَ؛ وألْحَقُوا بِهِ مَنْ كانَ مِنْهم مَلكًا في قَتْلِهِ كَسْرُ شَوْكَةِ العَدُوّ، وكالنَّهْيِ عَن الإجْهازِ عَلى الجَريحِ مِن الكُفارِ الأصلِيين لا فِي قِتالِ المُرْتَدِّينَ؛ وفِي جَرْحَى البُغاةِ خِلافٌ، والنَّهْيِ عَن قَتْلِ الكافِرِ الأَصْلِي إِذا تَعَوَّذَ بِكَلِمَةِ التوحِيد، والنهْيِ عَن قَتْل الأسيرِ الذي لا مَصْلَحَةَ في قَتْلِه، والنَّهْيِ عَن التعْذيبِ بالنارِ وعَن ضَرْب الأسيرِ لِغَيْرِ مُوجِب، والنَّهْيِ عَن التَّمْثِيلِ بالحَيِّ والمَيِّتِ مِن قَتْلَى العَدُوِّ؛ وغَيْرِ ذلكَ مِما لا يخْفَى أَثَرُهُ عَلى الترْبِيَةِ الأخْلاقِيَّةِ التِي امْتازَ بِها دينُ الإسلامِ.
والصُّورَةُ المَسْؤولُ عَنْها لا تَخْرُجُ عَمَّا ذكَرْناه، ولَوْ أُطْلِقَتْ يَدُ المُجاهِدِيِنَ فِيما ذُكِرَ صارَ ذلكَ سَجِيَّةً وعادَةً وطَبعًا فِيهِم لَهُ أعْظُمُ الأَثَرِ عَلَى أَخْلاقِهم!؛ بَلْ يَظْهُرُ لِي - واللهُ أَعْلَمُ - أنَّ نَهْيَ الشارِعِ عَنْ إيذاءِ المَيِّتِ المُسْلِم والاعْتِداءِ عَلَيْهِ مِن قَبيلِ سَدِّ الذرِيعَةِ المُفْضِيَةِ إلَى العُدْوانِ عَلَيهِ حَيًًا، فِإِنَّهُ يَكادُ مَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيهِ مَيِّتا أَنْ يَجْتَرِئَ عَلَيهِ فِي حَياتَةِ!، وقَدْ قَتِلَ يَومَ أحُدٍ أسدُ اللهِ وأسدُ رَسولِهِ حَمْزَةُ بنُ عَبدِ المُطَّلِب عُمُّ النبيِّ صلَّى اللهُ علَيْهِ وسلَّمَ، وكانَ قَتْلُهُ مِما فَرِحَ بِهِ أَعداءُ الدين!، واشتَدَّ بِسَبَبِهِ حُزْنُ رسولِ اللهِ صلى اللهُ علَيهِ وسلم حتَّى إنَّهُ أرادَ أنْ يُمَثِّلَ بِسَبْعِينَ مَن الكُفار لَما مَثَّلُوا بِحَمْزَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْه، ثُمَّ نَهاهُ اللهُ تعالَى عَنْه فامْتَنَعَ ونَهَى عَنِ المُثْلَةِ صلَواتُ اللهِ وسلامُهُ عَلَيه، ومَعَ هذا فَلَمْ يَفْعَل النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ولا أصحابُهُ شيئًا مما ذُكِرَ في السؤال!، وفِي مُؤْتَةَ قُتلَ الأمراءُ الثلاثَةُ ولِيسَ أميرًا واحِدًا فَما صَنَعُوا شَيئًا مِن ذلك، بل عَينُوا