هلْ يَجُوزُ إتلافُ جَسدِ الشهيد تَعْمِيةً على العدو؟
الشيخ؛ أبو الوليد الأنصاري
وكتَبَ إلَيهِ سائلٌ يَقول: إذا أُصيبَ قائدٌ من قادَة المُسْلِمينَ في المَعْرَكَةِ كانَ ذلكَ فِي العادَةِ مِمَّا يَفْرَحُ بِهِ العَدو، فَهْلْ يَجُوزُ تَعْمِيَةُ أمرِهِ عَلَيهم بِقَطْعِ رَأسِهِ وحَمْلِهِ خارِجَ أرْضِ المَعْركةِ إذا لمْ يُمْكِن دَفْنُه، أوْ وَضْعُ مادَّةٍ تُشوِّهُ وجْهَهُ أو تَغَيِّرُ معالِمَهُ مَثلا، أَفْتُونا مُثابِينَ ماجُورينَ؟.
فأقولُ فِي جوابِه؛ مَسْتَعِنًا باللهِ تعالى لائِذا بِجَنابِه:
الحَمدُ لله؛ أما بعد:
فَلْيَعْلَمِ السائِلُ ومَنْ يَليهِ أثابَهُمُ الله أنَّ الواجِبَ عَلى المُسْلِم في كُلِّ مَوطِنٍ أنْ يَتِّبِعَ ولا يَبْتَدِع، فإن النجاةَ في إخْلاصِ المُتابَعَةِ وامْتِثالِ ما أمَرَ به اللهُ تعالَى حَتَّى وإنْ خَفِيتْ عن الإنسانِ وجُوهُ المصالحِ والحِكَم فيما أُمِرَ بِه، وشَريعَةُ الإسلامِ بِحمدِ اللهِ تعالى أكملُ الشرائعِ وأجلُّها وأعدَلُها، ولا تَزالُ الشواهِدُ تَقُومُ عَلَى ذلكِ يَوما بَعْدَ يَومٍ مَعَ تَقدُّمِ أنواعِ العُلُومِ واتساعِ فُنُونِها.
والجِهادُ فِي الإسلامِ لَيْسَ قِتالًا فَحَسْبُ!؛ ولا هُوَ عَلى طَريقَةِ أَرْبابِ الحُرُوبِ الذِي يَجْعَلُونَ بُلُوغَ الغايَةِ سَببًا لِرُكُوبِ كُلِّ وسِيلَةٍ!؛ ولَو تَجَرَّدَ ذلكَ عَن الصفاتِ البَشَرِيَّةِ والأَخْلاقِ الإنسانِيَّة!.
بلْ الجِهادُ في سَبيلِ اللهِ عِبادَةٌ تَنْتَظِمُ سَنامَ العِبادَاتِ القَلْبِيَّةِ؛ مِن التَّوكُلِ والخُشوعِ والإنابَةِ والصبْرِ وغَيرِ ذلكَ كما قالَ ابنُ تَيمِيةَ رحمَهُ الله، وهُوَ بَيانٌ عَمَلِيٌّ لِسُمُوِّ الأَخْلاقِ فِي الإسلامِ وجَلالَتِها، فالمُجاهِدُونَ هُمُ رُسُلُ المُسْلِمينَ إلى أُمَمِ الأَرْضِ قاطِبَةً، دُعاةٌ إلَى اللهِ تعالَى بِأخْلاقِهِمْ قَبلَ أنْ يَكُونوا مُقاتِلِين.
والمَعْهُودُ من الإنْسانِ أَنَّهُ مَتى مَلَكَ السلاحَ بَطَش!؛ ومَتى اسْتَغْنَى ظَلَم وطَغَى!، حاشا المُسْلِمَ الذي يُجاهِدُ لإعْلاءِ كَلِمَةِ الدينِ؛ فَهُو مالكُ لِزمامِ نَفْسِهِ؛ يقُودُها بِما يَقودُها بِهِ كتابُ اللهِ وهديُ نَبِيّهِ صلواتُ اللهِ وسلامُهُ علَيه، ولذا كانَت هذه الأخلاقُ مَفاتِيحَ القلُوبِ قَبل أنْ تَكُونَ السيوفُ مَفاتِيح الأبدان.
ويَنْبَغِي التَّنْبِيهُ عَلى أَمْرٍ لا بُدَّ مِنه، وهُو أنَّ كَثيرًا من الكُتُبِ المُصَنَّفَةِ فِي فُنُونِ الحَرْبِ وعُلُومِها فِي زَمانِنا هذا هُوَ مِمَّا وَضَعَهُ الكُفارُ، والانْتِفاعُ بِها جَائِزٌ؛ كَما يُنْتَفَعُ بِهم فِي عِلْمِ الطِّبِ وغَيرِهِ، لكِن عَلى الناظِرِ فِيها أنْ يَحْتاطَ فِي الاسْتِفادَةِ مِنها والانْتِفاعِ بِها حَتَى لا تَتَسَرَّبَ إلَيهِ من خِلالِها عاداتُهُمْ وطَبائِعُهُمْ وأَفْكارُهُمْ التِي لا تَسْتَنِدُ إِلى خُلُقٍ ولا دِين، فإنَّ المَرْءَ قَدْ يَتَأَثَّرُ بِذلكَ مِن حَيْثُ لا يَدْرِي.
فإذا كانَتْ مَبادِئُ هَؤلاءِ الكُفارِ فِي الحَرْبِ تُجِيزُ قَتْلَ مَن اطَّلَعَ عَلى شَيءٍ من الأسرارِ الحَرْبِيَّةِ ولَو خَطَأً؛ حَتَّى وإنْ كانَ مَن اطلعَ علَيْها مِن عامَّةِ الناس!!؛ بَلْ وَلَو كانَ مِن النساءِ أو الصبْيان!؛ فَلَيْسَ ذلكَ جائزًا في دِينِ اللهِ وشَرْعِهِ، فإنَّ اسْتِحْلالَ دِماءِ المَعْصُومِينَ بِغَيرِ إذنٍ مِن الشرْعِ مِن أعْظَمِ المُحَرَّماتِ.