أَعْظَمِ أسْبابِ الدَّعْوَةِ إلَى دِينِ الإسلامِ بالقُدْوَةِ والعَمَل، ومَن طالَعَ كُتُبَ التوارِيخِ رَأى فِيها منَ الحوادِثِ ما يَشْهَدُ لما ذكَرْناه.
والأَصْلُ فِي الحَرْبِ أَخْذُ الحَيْطَةِ والحَذرِ فِي شَأنِ القائدِ أكْثَرَ مِن غَيْرِهِ؛ لِما عُلِمَ مِن أنَّ العدَوَّ يَقْصِدُهُ ويَتَعَمَّدُهُ تَخْضِيدًا للشَّوْكَةِ وطَمَعًا فِي إصابَةِ المَقاتِل، وهذا مِن الأسْبابِ التِي يَجِبُ الأخْذُ بِها، وقَدْ كانَ النَّبِيُّ صلى اللهُ علَيهِ وسلمَ يُبْنَى لَهُ العَريشُ خَلْفَ الصفُوفِ، ويَقُومُ عَلَيهِ مَن يَحْرُسُهُ؛ فإذا حَمِيَ الوطِيسُ كانُوا يَتَتَرَّسُونَ بِهِ فِي القِتالِ، فَعَلَى القائِدِ أنْ يَصْنَعَ مِن ذلكَ ما فِيهِ مَصْلَحَةُ المُسْلِمين، فإنْ رَأى مِن جُنْدِهِ إقْداما عَلى العَدُوِّ والريحُ لَهُمْ فَلَيَكُنْ خَلْفَهُمْ حَذرًا من أنْ يُصابَ فَيُصابَ الجَيْشُ بِمُصابِه، وإنْ رأى فِي جُنْدُهِ ضَعْفًا وكانَ فِي تَقَدُّمِهِ تَثْبِيتٌ وَمُؤازَرَةٌ لَهم وشَدٌّ لِعَضُدِهمْ فَليَفْعَل، فإنْ أَصِيبَ وأمْكَنَهُمْ دَفْنُهُ أو أوْ حَمْلُهُ مَعَهُمْ أو إخْفاؤُهُ؛ فَنعَم، وإلا تَرَكُوهُ عَلى حالَهِ، ولا يُكَلِّفُ الله نفسا إلا وُسْعَها، ولله عاقِبَةُ الأمور.
والمَسْألَةُ تَحْتَمِلُ بَسطًا أكْثَرَ هَذا، وقَدْ عَرَضْتُها عَلى بَعْضِ المشايخِ فَأجابُوا بالجَوازِ أولًا، ثُمَّ لَما بَيَّنْتُ لَهُمْ وجْهَ المَنْعِ رَجَعُوا إلَيه، وقد التَزَمْنا فِي هذه النوازِل شَرْطَ الاخْتصارِ فَلا نُطُوِّلُ بِما يَعْتَرِضُ بِه المُجِيزُ؛ وفيما ذكَرْناهُ كِفايَةٌ إن شاءَ الله، واللهُ أَعْلَمُ، وصلَّى اللهُ علَى مُحَمَّدٍ وعَلَى آلِهِ وصحْبِهِ وسلم.
وبالله وحده التوفيق.
خَادِمُ العِلْمِ وَأَهْلِهِ:
كانَ اللهُ لَهُ
أَبُو الوَلِيدِ الغَزِّيُّ الأَنْصَارِيُّ
تَنْبِيه: (لاَ مانِعَ مِن نَقْلِ الفَتْوى شريطَةَ عدَمِ التصرُّفِ بها)
نقلا عن موقع الشيخ أبي الوليد الأنصاري - أكناف بيت المقدس
رَقَمُ الفَتْوى: 56/ 11/1306