ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا { (57) } سورة الكهف
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ولهذا قيل الهدى أربعة أقسام:
(احدها: الهداية إلى مصالح الدنيا فهذا مشترك بين الحيوان الناطق والأعجم وبين المؤمن والكافر.
والثانى: الهدى بمعنى دعاء الخلق إلى ما ينفعهم وأمرهم بذلك وهو نصب الأدلة وإرسال الرسل وإنزال الكتب فهذا أيضا يشترك فيه جميع المكلفين سواء آمنوا أو كفروا كما قال تعالى: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) وقال تعالى (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) وقال تعالى (إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) فهذا مع قوله (ِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) يبين أن الهدى الذى أثبته هو البيان والدعاء والأمر والنهى والتعليم وما يتبع ذلك ليس هو الهدى الذى نفاه وهو القسم الثالث الذى لا يقدر عليه إلا الله.
والقسم الثالث: الهدى الذى هو جعل الهدى في القلوب وهو الذى يسميه بعضهم بالإلهام والإرشاد وبعضهم يقول هو خلق القدرة على الإيمان كالتوفيق عندهم. .... إلى قوله: (وهذا الهدى الذى يكثر ذكره في القرآن في مثل قوله(اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) وقوله (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا) وفى قوله (من مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا) وأمثال ذلك) اهـ.
2 -إسمع كلامَ مُحققٍ في قولهِ ... لا ينثني عنهُ ولايتبدلُ
شرع شيخ الإسلام هنا إلى إجابة السائل إلى ما يريد ورغبه إلى قبوله بأشياء؛ أولها دعوته إلى السماع: (إسمع) والسماع منه ما هو سماع مجرد بالأذن مع إعراض القلب ولذلك لا ينفذ إلى القلب ولا يورث فقها ولا وعيا كما قال تعالى (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا) والسبب هو جدالهم بالباطل وتشويههم للحق (حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) وقال تعالى (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَ .. )