ومنه ما هو سماع قبول وإقبال من القلب: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} { (37) } سورة ق، فمن أقبل بقلبه وسمعه على كلام الله وكلام رسوله شرح الله صدره وأسمع قلبه وأوعاه، وأصابته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم التي قال فيها صلى الله عليه وسلم (نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها وحفظها ثم أداها إلى من لم يسمعها) وفي رواية (فبلغه كما سمعه فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) رواه الإمام أحمد وغيره.
(كلام محقق في قوله) المحقق هو الذي يتبع الحق ويحقه أي ينصره ويدعو إليه ولا يتقيد بمذهب يقلد صاحبه في كل شيء، وشيخ الإسلام لا شك أنه محقق له اختيارات خالف فيها مذهب أحمد وغيره إتباعا للدليل وإحقاقا للحق ولم يبدل ولا انثنى عن الحق رغم ما تعرض له من عداوة المتعصبين للمذهب ووشايتهم إلى السلاطين ورغم القيد والحبس حتى وافته منيته في حبسه وهو ثابت على الحق لم يبدل تبديلا.
يقول شيخنا رحمه الله تعالى: (إنك تجد أهل الكلام أكثر الناس انتقالًا من قول إلى قول، وجزمًا بالقول في موضع، وجزمًا بنقيضه، وتكفير قائله في موضع آخر، وهذا دليل عدم اليقين، فإن الإيمان كما قال فيه [قيصر] لما سأل أبا سفيان عمن أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم: هل يرجع أحد منهم عن دينه سُخْطَة له، بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا.
قال: وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشته القلوب، لا يسخطه أحد"."
ولهذا قال بعض السلف - عمر بن عبد العزيز أو غيره: من جعل دينه غرضًا للخصومات أكثر التنقل.
وأما أهل السنة والحديث فما يعلم أحد من علمائهم ولا صالح عامتهم رجع قط عن قوله واعتقاده بل هم أعظم الناس صبرا على ذلك , وإن امتحنوا بأنواع المحن , وفتنوا بأنواع الفتن , وهذه حال الأنبياء وأتباعهم من المتقدمين: كأهل الأخدود ونحوهم , وكسلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين وغيرهم من الأئمة؛ حتى كان مالك رحمه الله يقول: (لا تغبطوا أحدا لم يصبه في هذا الأمر بلاء) .) اهـ مجموع الفتاوى.
3 -حبُّ الصحابةِ كلّهِم لي مذهبٌ ... ومودةُ القُربى بها أتوسّلُ