الصفحة 29 من 64

أثبتته ويقدمون العقل على النقل ويحكمونه فيه، فصاروا يحكمون عقولهم فيما يجب أو يمتنع على الله سبحانه.

وقد قال بعض السلف وأظنه شيخ الإسلام ابن تيمية ....

(الشرع حاكم أو قاضي والعقل شاهد فإن شهد الشاهد بالحق وإلا طرده القاضي أو الحاكم)

والعقل إنما يدرك ما يجب لله سبحانه ويمتنع عليه على سبيل الإجمال لا على سبيل التفصيل، فمثلًا: العقل يدرك أن الرب لا بد أن يكون كامل الصفات سالما من النقص لكن العقل عاجز عن أن يحدد صفات الله بالتفصيل ويثبت كل صفة بعينها أو ينفيها من دون نقل ... بل هو عاجز عن ذلك ولا يمكنه أن يتخيل إلا أشياء من واقع الشهادة الذي يراه أو نظائرها وأشباهها والله لا نظير له ولا شبيه، أما عالم الغيب فلا مجال له بمعرفتة إلا من طريق النقل.

وإذا كان الإنسان إذا جهل بعض المحسوسات والكائنات في الدنيا لم يقدر على تخيل حقيقتها وكنهها فكيف بعالم الغيب، وفي ذلك يحكي ابن خلدون في مقدمته عن وزير ألقي به في السجن وبرفقته ابن له صغير فنشأ ذلك الصغير في ظلمات السجن ولم ير من الحيوانات إلا الجرذان فكان أبوه يحاول أن يقص عليه بعض الحكايات ويصف له بعض الحيوانات ومع كل شرح كان الغلام يسأل ويكرر: أتراه كالجرذ يا أبت؟ إذ أنه لم ير من الحيوانات سوى جرذان الحبس ولذا فجميع الحيوانات عنده محدودة في شكل الجرذ ولا يتخيل أويتصور غير هذا المثال ..

وقد ضرب بعض المعاصرين مثال اللعب أوالعرائس التي تتحرك بالخيوط فلا يمكن لها - لو كانت تتخيل - إلا أن تتخيل أن كل من في العالم يتحرك بالخيوط ولا يمكن أن تتصور أو تستوعب أن هناك من لا يتحرك بالخيوط حتى لو كان الحاوي الذي يحركها.

ومن ثم فلا غنى عن النقل في معرفة الغيبيات، ولا دور للقياس في باب الأسماء والصفات إلا أن يكون قياس الأولى على باب أن لله المثل الأعلى.

وفي هذين البيتين إشارة إلى قاعدة أهل السنة والجماعة التي نقلناها آنفا عن شيخ الإسلام في باب الأسماء والصفات.

وهي تتضمن النفي وهو (صيانتها عن كل ما يتخيل.)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت