فهرس الكتاب
ومما استدل به أيضا نفاة الرؤية لله قوله تعالى لموسى لما سأله بقوله (أرني أنظر إليك قال لن تراني) قالوا أن (لن) لنفي التأبيد والنفي خبر وخبر الله صدق لا يدخله النسخ لأن النسخ في الأحكام لا في الأخبار، ورد عليهم بأن دعواهم أن (لن) للنفي المؤبد مردود بقول علماء اللغة الثقاة ومنهم ابن مالك في الألفية:
ومن رأى النفي بلن مؤبدا ... فقوله اردد وسواه فاعضدا
وينصر هذا ويدل عليه أن الله تعالى أخبر عن المشركين في الدنيا بقوله: (ولن يتمنوه أبدًا بما قدمت أيديهم) فأخبر بأنهم لن يتمنوا الموت واستعمل (لن) وأكده أيضا بقوله (أبدا) ثم أخبر عنهم في الآخرة أنهم يقولون: (يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ) فيتمنون الموت؛ وهذا دال على أن (لن) لا تفيد التأبيد ولو أفادته بزيادة ذكر التأبيد كما في الأية فذلك في الدنيا فقط، وأما أحكام الآخرة فهي مغايرة لأحكام الدنيا.
وقوله تعالى (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) .
فـ (الحسنى) : الجنة و (زيادة) هي: النظر إلى وجه الله تعالى كما فسرها المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم وغيرة.
وهي زيادة على نعيم أهل الجنة بل هي ألذ نعيمهم، والجزاء من جنس العمل فمن عبد الله في الدنيا بالإحسان فإنه سينال الحسنى أي سيراه في الآخرة؛ وعبادته بالإحسان أن يعبده كأنه يراه وهي رتبة المشاهدة كما يسميها بعض العلماء.
وهذا يدلك على أن عقيدة أهل السنة والجماعة في هذه المسائل وغيرها ليست كما هي عند أهل الكلام مجرد مسائل معرفية تحفظ ويجادل فيها وحسب؛ بل لها آثارها العملية من ناحية البناء النفسي والمسلكي:
فإن الحرص على نيل الحسنى يستلزم عبادة الله بأعلى المراتب وهي الإحسان.
ومن هذا الباب الحديث المتفق عليه والذي ساقه شيخ الإسلام في الواسطية:
(إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس و صلاة قبل غروبها فافعلو)