الصفحة 163 من 277

لكن العدل في الشرع في النهاية نقول كما يقول الإمام السرخسي: «العدالة هي الاستقامة وليس لكمالها نهاية؛ فإنما يُعتبر منه القدر الممكن وهو انزجاره عما يعتقده حرامًا في دينه» .

إذًا العدل في الشرع على ضوء ما ذكرناه من أهل اللغة فإنه المرضي في أحكامه، ودينه، ومروءته؛ فالعدل في الأحكام أن يكون بالغًا، عاقلًا، حرًا، والعدل في الدين أن يكون مسلمًا مجتنبًا للكبائر غير مصرّ على الصغائر، والعدل في المروءة أن يجتنب الأمور الدنيّة التي تسقط مروءته.

وابن رشد له كلام جميل يقول: «أما العدالة فإن المسلمين اتفقوا على اشتراطها في قبول شهادة الشاهد لقوله تعالى: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} ، ولقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} . واختلفوا فيما هي العدالة فقال الجمهور هي صفة زائدة على الإسلام هو أن يكون ملتزمًا لواجبات الشرع ومستحباته مجتنبًا للمحرّمات والمكروهات. وقال أبو حنيفة يكفي في العدالة ظاهر الإسلام وأن لا تُعلم منه جرحة. ابن رشد يقول: وسبب الخلاف في هذا هو ترددهم في مفهوم اسم العدالة المقابلة للفسق؛ وذلك أنهم اتفقوا على أن شهادة الفاسق لا تُقبل لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} الآية. ولم يختلفوا أن الفاسق تُقبل شهادته إذا عُرفت توبته إلا من كان فسقه من قبل القذف فإن أبا حنيفة يقول لا تُقبل شهادته وإن تاب، والجمهور يقولون تُقبل. وسبب الخلاف هل يعود الاستثناء في قوله تعالى: {وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} إلى أقرب مذكور إليه أو على الجملة إلا ما خصّصه الإجماع وهو أن التوبة لا تسقط عنه الحد» .

وفي (حاشية ابن عابدين) : «العدل من يجتنب الكبائر كلّها، حتى لو ارتكب كبيرة تسقط عدالته، وفي الصغائر العبرة للغلبة والدوام على الصغيرة لتصير كبيرة» .

قال الإمام الكمال بن الهمام من الأحناف: «ألا يأتي بكبيرة ولا يصرّ على صغيرة ويكون ستره أكثر من هتكه، وَصَوَابُهُ أَكْثَرَ مِنْ خَطَئِهِ، ومروءته ظاهرة، ويستعمل الصدق، ويجتنب الكذب ديانة ومروءة» .

أنا سأتوقف عند هذا الحدّ لأن الساعة انتهت، وسأتوقف عند حدّ الكبيرة التي ذكرها العلماء؛ لأنهم يقولون «ألا يأتي بكبيرة» فما هي الكبيرة؟ ما هو حدّها؟ وهل الذنوب كلها كبائر؟ وسنتكلّم عن الصغيرة أيضًا وتعريفها،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت