تعقيب. . لا تثريب
لفضيلة الشيخ سيد سابق منزلة في قلوب قرائه وعارفيه، وهو حقيق بذلك بما أسهم فيه من تجديد للفكر الديني، فبكتابه"فقه السنة"يشد القارئ إلى المنبع الأصيل من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفي مقالاته التي يطالع بها قراءه في المنشورات الإسلامية عمق وتحليل يساعدان على إبراز المكنونات البعيدة من المعاني التي لا يقع عليها إلا الممتازون الملهمون.
ولكن إعجابنا بالشيخ من هذه الناحية لا ينبغي أن يصرفنا عن الجوانب الأخرى التي يدفعه الاجتهاد بها إلى نتائج لا يكون دليله فيها من النوع القطعي، وقد ينطوي إغفال التنبيه إليها على مؤثرات بعيدة المدى في قلوب الشباب الذين لم تنضج لديهم ملكة النقد والتمييز.
قبل أيام وقع في سمعي صوت الشيخ في إذاعة الكويت وهو يجيب على سؤال يتعلق بالغناء وموقف الإسلام منه، وخشيت أن يغلبني النوم فيفوتني بعض رأيه فضغطت إصبع المسجل ليحتفظ لي ببقية كلامه كي أعود إليه فيما بعد، وأستعيد جواب الشيخ - حفظه الله - فإذا هو يتحدث عن أنواع الغناء الذي يعتبر من المباح الطيب، فتغنّ في الفرح إشهارا له وإعلانا عنه، وتغنّ في الأعياد إظهارا للسرور، وتغن للجنود لينشطوا في الجهاد في سبيل الله).
ثم يعقب على ذلك بقوله: (والغناء ما هو إلا كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح، فإذا عرض له ما يخرجه عن دائرة الحياء كان حراما مثل أن يهيِّج الشهوة، أو يتخذ ملهاة عن القيام بالواجب وطاعة الله) . ويذكر خبر الجاريتين اللتين كانتا تغنيان وتضربان بالدف في بيت رسول الله، وقد أنكر عليهما الصديق رضي الله عنه ذلك، فقال له نبي الله صلى الله عليه وسلم: (دعهما .. فإنها أيام عيد) .
دور الغناء في تاريخنا:
وقبل التعقيب على كلمات الشيخ لا نرى مندوحة عن التذكير بالظروف التي تطرح فيها مثل هذه الأسئلة، وموقف الفقيه في تقديرها عندما ينتدب للجواب عليها .. فما زال صحيحا أنّ الحكم في الشيء فرع عن تصوره، وأقل ما يجب التنبيه إليه بإزاء هذا الضرب من الاستفتاءات - بل الاستدراجات - هو ذلك الوضع الذي صار إليه الغناء منذ غياب العهد الراشدي، وما أعقبه من تخلخل الضوابط الإسلامية في حياة المجتمع، حتى غلب اللهو على الجد، واقتحم المجون ميدان التوجيه الشعبي، فزاحم عليه كل المقومات الفضلى، وبذلك أفرغت نفوس العامة من عناصر القوة، ثم انتهت إلى الانهيار الذي دمّر أخيرا حضارة الإسلام، وذهب بقوة المسلمين في غرب العالم الإسلامي وشرقه.
الإسلام والغرائز:
إنّ الغناء في أصله ليس إلا وسيلة فطرية للتنفيس عن النفس، فإليها يلجأ الإنسان في فرحه وحزنه وحيرته وقلقه، وذلك أمر مشهود في الطفل والشيخ، والمحزون والمحبور والمتعب، وحتى في الحيوان، وغير معقول أن يمنع الإسلام هذه الغزيرة من التعبير عن ذاتها عند الحاجة، وهو الذي راعى في نظامه الأقوم وآدابه البنّاءة كل جوانب الفطرة, فأرشد إلى خير السبل في توجيهها واستصلاحها والموازنة بين