قال مالك بن أنس:"بعث أبو جعفر المنصور إليَّ وإلى ابن طاووس، فأتيناه فدخلنا عليه، فإذا هو جالس على فرش قد نضدت، وبين يديه أنطاع قد بسطت، وجلاوزة بأيديهم السيوف يضربون الأعناق. فأموأ إلينا: أن اجلسا. فجلسنا."
فأطرق عنا طويلًا، ثم رفع رأسه والتفت إلى ابن طاووس، فقال له: حدّثني عن أبيك. قال: نعم، سمعت أبي يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجل أشركه الله في حكمه فأدخل عليه الجور في عدله) . فأمسك ساعة. قال مالك: فضممت ثيابي من ثيابه مخافة أن يملأني من دمه!. ثم التفت إليه أبو جعفر فقال: عِظني يا ابن طاووس. قال: نعم يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى يقول: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} .
قال مالك: فضممت ثيابي مخافة أن يملأ ثيابي من دمه. فأمسك ساعة حتى اسودّ ما بيننا وبينه. ثم قال: يا ابن طاووس، ناولني هذه الدواة. فأمسك عنه. فقال: ما يمنعك أن تناولنيها؟ قال: أخشى أن تكتب بها معصية الله فأكون شريكك فيها. فلما سمع ذلك قال: قوما عني. قال ابن طاووس: ذلك ما كنا نبغي منذ اليوم.
قال مالك: فما زلت أعرف لابن طاووس فضله"."
كان الخليفة المنصور يرفع من شأن أبي حنيفة ويكرمه ويرسل له العطايا والأموال، ولكنَّ أبا حنيفة كان لا يقبل عطاءً. ولقد عاتبه المنصور على ذلك قائلًا: لم لا تقبل صِلتي؟. فقال أبو حنيفة:"ما وصلني أمير المؤمنين من ماله بشيء فرددته، ولو وصلني بذلك لقبِلتُه، إنما وصلني من بيت مال المسلمين ولا حقَّ لي به".
واستدعى المنصور أبا حنيفة وعرض عليه تولّي القضاء فامتنع وأعرض قائلًا:"إن هذا دعاني للقضاء فأعلمته أني لا أصلح، وأني لأعلم أن البينة على المدّعي واليمين على من أنكر، ولكنه لا يصلح للقضاء إلا رجل يكون له نفس يحكم بها عليك وعلى ولدك وقوادك، وليست تلك النفس لي. إنك لتدعوني فما ترجع نفسي حتى أفارقك".