ثم قال: يا حسن الوجه، أنت الذي يسألك الله -عز وجل- عن هذا الخلق يوم القيامة، فإن استطعت أن تقي هذا الوجه فافعل، وإياك أن تصبح أو تمسي وفي قلبك غش لأحد من رعيّتك، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (من أصبح لهم غاشًا لم يرح رائحة الجنة) .
فبكى الرشيد. ثم قال: هل عليك دين؟ فقال: نعم دين لربي لم يحاسبني عليه، فالويل لي إن سألني والويل لي إن ناقشني والويل لي إن لم أُلهم حجَّتي. قال الرشيد: أنما أعني دين العباد. فقال: إن ربي لم يأمرني بهذا وقد قال -عز وجل-: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} .
فقال الرشيد: هذه ألف دينار خذها وأنفقها على عيالك وتقوّ بها على عبادتك. قال: سبحان الله. أنا أدلك على طريق النجاة وأنت تكافئني بمثل هذا!.
قال ابن الربيع: فخرجنا من عنده. فقال هارون الرشيد: إذا دللتني على رجل فدلَّني على مثل هذا، هذا سيّد المسلمين اليوم"."
حكي أن هشام بن عبد الملك قدم حاجًا إلى بيت الله الحرام، فلما دخل الحرم قال: ائتوني برجل من الصحابة. فقيل: يا أمير المؤمنين قد تفانوا، قال: فمن التابعين، فأُتي بطاووس اليماني، فلما دخل عليه خلع نعليه بحاشية بساطه، ولم يسلم بإمرة المؤمنين ولم يكنّه، وجلس إلى جانبه بغير إذنه، وقال: كيف أنت يا هشام؟
فغضب من ذلك غضبًا شديدًا حتى همَّ بقتله، فقيل: يا أمير المؤمنين أنت في حرم الله وحرم رسوله لا يمكن ذلك، فقال له: يا طاووس، ما حملك على ما صنعت؟ قال: وما صنعت؟
فاشتدَّ غضبه وغيظه، وقال: خلعت نعليك بحاشية بساطي، ولم تسلّم عليَّ بإمرة المؤمنين، ولم تكنّني، وجلست بإزائي بغير إذني، وقلت: يا هشام كيف أنت؟